في تاريخ التكنولوجيا: و للكمبيوتر حكاية

لقد غيّرت أجهزة الكمبيوتر العمل و التواصل و الأنشطة الترفيهية و هي تعد بتغييرات مستقبلية بنفس الحجم. هيمنت شركات في الولايات المتحدة الأمريكية لسنوات على تكنولوجيا الإعلام الآلي حيث كان لهذه الدولة أكبر سوق للكمبيوتر و استثمرت حكومتها بكثافة في التطبيقات العسكرية و العلوم و الهندسة الأساسية لهذه التقنية الجديدة. لكن العديد من البلدان ساهمت كذلك في الأسس التكنولوجية التي ولد عنها الإعلام الآلي و مع تطور شبكة الويب (العنكبوتية) العالمية أصبحت الحوسبة ظاهرة عالمية.

الأسلاف الميكانيكية

بدأ تطوير أجهزة الكمبيوتر الرقمية القابلة للبرمجة مباشرة قبل منتصف القرن العشرين، و لكن التاريخ العام للأجهزة التي تساعد الإنسان على التفكير يمكن إرجاعها إلى عصور ما قبل التاريخ عندما قام الإنسان أولا بنقش العلامات على عصا خشبية لحساب الماشية أو لتحديد الأيام حسب مراحل القمر، ثم كان هناك إجراء عمليات الجمع و الطرح المعقدة في العصور القديمة عن طريق وضع الحصى في كومة على الأرض. أشهر “كمبيوتر” معروف في الحضارة الكلاسيكية هو جهاز ” أنتيكيثيرا”  للتنبؤ بحركات الشمس و القمر و الكواكب و الذي عثر عليه في حطام سفينة في قاع البحر الأبيض المتوسط و يعتقد أنه يعود إلى ثمانين سنة قبل الميلاد.

لطالما كانت الحوسبة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالرياضيات و كان اختراع لوحة اللوغاريتمات من قبل عالم الرياضيات الاسكتلندي ” جون نابير” عام 1614 تقدما كبيرا. حولت لوحة اللوغاريتمات عمليات الضرب إلى جمع و القسمة إلى طرح ذلك عوض البحث عن الأرقام في كتب ضخمة من الجداول التي كان لابد من حسابها يدويا. فمنذ أيام ” نابير” حتى إدخال الآلات الحاسبة الالكترونية في حوالي عام 1970 كان كتاب جداول اللوغاريتم الأداة العامة للمهندسين و العلماء. كان من الصعب استخدامها و لذلك استخدمت قواعد الشرائح للتقديرات السريعة. قاعدة الشرائح هي عبارة عن جهاز حساب تمثيلي يعتمد على المقاييس اللوغاريتمية المحددة بطول المساطر التي تنزلق فوق بعضها البعض. يشير المصطلح “التناظري” إلى تناظر بين الأرقام المجردة و المسافات المادية المقابلة على طول الخط ( فوق المسطرة).

ثم كان هناك أيضا تطوير الآلات الحاسبة الميكانيكية الرقمية التي تمثل الأعداد كأرقام دقيقة – على سبيل المثال ما قام به عالم الرياضيات و الفيلسوف الفرنسي ” بليز باسكال عام 1642 – و تمثلت الطريقة في توصيل سلسلة من العجلات الصغيرة و يتم تدوير كل منها على عشر مراحل للأرقام من 0 إلى 9. تقول الأسطورة كذلك أن المحترف الإنجليزي الغريب الأطوار ” تشارلز باباج ” هو أب أجهزة الكمبيوتر لأنه صمم في حوالي عام 1835 آلة حاسبة ميكانيكية يمكن برمجتها ببطاقات مثقبة و مع ذلك فشل “باباج” في الواقع و يعتبر المؤرخ ” دورون سواد” أن تأثيره على تطوير أجهزة الكمبيوتر كان ضئيل.

أول نظام كامل لمعالجة البيانات الرقمية باستخدام البطاقات طوره المهندس الأمريكي ” هيرمان هوليريث” الذي بدأ في تسجيل براءات اختراع لأفكاره في ثمانينيات القرن التاسع عشر و في عام 1902 بدأ استخدام أجهزته لمعالجة بحر واسع من المعلومات التي تم جمعها خلال الإحصاء السكاني للولايات المتحدة لعام 1900 حيث كانت تقوم بدمج روابط كهربائية القادرة على القيام بما يعرف بالعمليات “الشرطية” (عمليات.. لو ، اذا..).

عصر الأسس و الحسابات المركزية

هناك جدل كبير بين المؤرخين حول أي كمبيوتر رقمي إلكتروني قابل للبرمجة كان أول أو أكثر تأثيرا. ابتكر البروفيسور ” جون أتاناسوف ” و طالب الدراسات العليا ” كليفورد بيري” عام 1941 آلة عرض توضيحية في جامعة ” أيوا” الأمريكية، لكنهما لم يطوراها أكثر. أما في بريطانيا فبدأ جهاز إلكتروني خاص يدعى ” كولوسوس” في فك الرموز الألمانية في عام 1943 خلال الحرب العالمية الثانية لكن تصميمه ظل طي الكتمان لأكثر من ثلاثة عقود.

ربما كان الكمبيوتر الرقمي الأكثر تأثيرا هو ” إنياك ” ( التكامل الرقمي الالكتروني و الحاسوب) الذي تم الانتهاء منه في جامعة “بنسلفانيا”  في عام 1946 من قبل فريق بقيادة الفيزيائي ” جون ماكلي” و المهندس ” بريسبير إيكرت”. كانت المهمة الرئيسية ل “إنياك” هي حساب جداول نيران المدفعية الدقيقة للجيش الأمريكي. في جنون الحرب العالمية الثانية أنتجت العديد من النماذج الجديدة من الأسلحة النارية بعيدة المدى، و كان الجنود في الميدان بحاجة إلى جداول معقدة لإخبارهم بكيفية التصويب على هدف من مسافة في ظل ظروف مختلفة. كان من المستحيل إطلاق قذائف تحت جميع الظروف المحتملة لذلك استخدمت البيانات من بعض اللقطات الاختيارية المختارة بعناية لترسيخ مجموعات معقدة من الحسابات الرياضية.

كان لدى ” فانيفار بوش “، كبير المستشارين العلميين للرئيس ” روزفلت ” جهاز كمبيوتر تناظري  ميكانيكي ضخم بني عام 1930. من الناحية النظرية سيكون الكمبيوتر الالكتروني الأسرع و الأكثر دقة لكن كانت هناك أسئلة جدية حول ما اذا كان يمكن الاعتماد عليه بدرجة كافية، لأنه قبل تطوير ” الترانزيستور ” بني باستخدام أنابيب مفرغة قابلة للاحتراق و كان يزن 30 طنا و يغطي مساحة واسعة و يحتوي على 18 ألف أنبوب مفرغ.

استخدم إدخال و إخراج البيانات في ” إنياك ” بطاقات ” هوليريث” المثقبة و هي طريقة ظلت واحدة من الأساليب القياسية في السبعينات، و مع ذلك تمت البرمجة اليدوية عن طريق ضبط مئات المفاتيح الدوارة و توصيل الأسلاك التي تربط المكونات الالكترونية. ابتكر بعدها ” ماكلي ” و ” إيكرت ” خليفة يمكنه تخزين برنامج في ذاكرته و أنشئوا شركة خاصة و أطلقوا سلسلة من الآلات بتسمية ” يونيفاك ” ثم باعوا الاختراع لشركة خاصة عام 1950 و كان ذلك مثال نموذجي للحوسبة في منتصف القرن العشرين.

تجدر الإشارة هنا أن تطوير تقنية أجهزة الكمبيوتر الكبيرة و المكلفة تمت بتمويل حكومي لأغراض عسكرية ثم نقلت إلى القطاع المدني حيث استخدمت من قبل الشركات الكبرى لحفظ السجلات المالية و تطبيقات مماثلة. أجريت الكثير من الأبحاث في الجامعات و منح توفر عدد قليل من الحواسيب المركزية في الجامعات المرونة للعلماء الباحثين لتكييفها مع العديد من الأغراض البحثية.

الكمبيوتر الشخصي

لم تكن ولادة صناعة الكمبيوتر في حد ذاتها أكثر أهمية من ثقافة الإعلام الآلي بأكملها بما في ذلك لغات البرمجة و المترجمات للتحكم في الآلات و الشبكات و أجهزة الإدخال و الإخراج لنفل البيانات و المعلومات بين المستخدمين و الآلات و دروس و برامج بيداغوجية جديدة في الجامعات كلها أدت إلى ظهور الإعلام الآلي و الهندسة الإعلامية كمجال منفصل. كان لسنوات النموذج المهيمن هو أجهزة الكمبيوتر المركزية باهظة الثمن في معالجة البيانات، على الرغم من وجود تجارب مشاركة الوقت بحيث يمكن للعديد من الأشخاص استخدام الكمبيوتر في نفس الوقت. ثم أتت مرحلة منتصف السبعينيات، سواء داخل شركات تكنولوجيا المعلومات أو خارجها بين عشاق الالكترونيات حيث قدمت ثورة الكمبيوتر الشخصي مفهوما جديدا و جذريا عن علوم الإعلام الآلي.

أجرى مركز ” بالو آلتو ” للأبحاث التابع لشركة ” زيروكس ” في أفريل 1973 أول اختبار له لجهاز ” آلتو ” و النموذج الأول للكمبيوتر الشخصي المكتبي. ابتكر ” آلتو ” العديد من التقنيات التي من شأنها أن تصبح معيارا لأجهزة الكمبيوتر الخاصة و المكتبية بما في ذلك (الماوس) و النوافذ و الأيقونات على الشاشة و الطباعة المكتبية و تضمين الصور و الشبكات المتحركة التي تتيح إرسال الملفات، ذهابا و إيابا، بين الأجهزة. لم تتمكن ” زيروكس ” من استغلال هذه التقنية في ذلك الوقت بسبب التكلفة العالية و سوء أداء الالكترونيات الدقيقة في ذلك الوقت.

في ستينيات القرن الماضي اقترح ” غوردون مور” مؤسس شركة ” إنتل ” لشرائح الكمبيوتر ما يسمى الآن ب “قانون مور ” و هي الملاحظة التي مفادها أن أداء شرائح الكمبيوتر يتضاعف كل ثمانية عشر أو أربعة و عشرين شهر.

وصلت تقنية ” آلتو ” أخيرا إلى السوق المحلية الأمريكية عندما بيع أول جهاز ” إيبل ماكينتوش ” في عام 1984 و سرعان ما تبعه نظام تشغيل ” وينداوز ” من ” مايكروسوفت “. و قبل أن تقدم أي شركة تكنولوجيا أجهزة كمبيوتر شخصية للجمهور ركب هواة الإعلام الآلي أجهزتهم من قطع و كان أبرزها ” آلتير ” الذي أعلن عنه و نشرت كيفية تركيبه لأول مرة في عدد جانفي من عام 1974 في ة” بوبلر إلكترونكس ” لتقوم حركة اجتماعية تكنولوجية تعتمد على جزء من الراديكالية الثقافية لسنوات الستينات و انتشرت بسرعة في أمريكا و أوروبا الغربية رغم أنه يصعب تحديد مدى تأثير هذه الراديكالية في التقدم السريع لثورة الكمبيوتر رغم أنه صحيح أن شركة “آبل ” تأسست في مرأب لتصليح السيارات من قبل صديقين و انسحب ” بيل غيتس ” من الجامعة لمساعدة رفقاءه لاختراع ” مايكروسوفت “.. لبضع سنوات بعد ظهور كمبيوتر ” آبل 2 ” في عام 1977 كان يمكن للفرد كتابة برنامج قابل للتطبيق تجاريا و بدأ شركة صغيرة لتسوقه، لكن أكبر تقدم الذي حدث بعد منتصف الثمانينيات تطلب مرة أخرى مزيجا من التمويل العام ( الحكومي) الضخم و الشركات الكبرى.

الانترنت و الشبكة العنكبوتية العالمية

ولد الانترنت في عام 1969 باسم ” آربانت ” و هي شبكة مولتها وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة التابعة للحكومة الأمريكية و التي تربط أجهزة كمبيوتر في جامعة كاليفورنيا في “لوس أنجلس” و معهد ” ستانفورد” للأبحاث و جامعة ” سانتا باربارا” و جامعة ” يوتا “. قدم الإنترنت للجمهور لأول مرة في عام 1972 و في نفس السنة بدأت الشبكة في توزيع رسائل البريد الإلكتروني، بعدها بدأ المزيد و المزيد من المؤسسات التعليمية و الوكالات الحكومية و الشركات في استخدام الإنترنت – و إيجاد استخدامات جدية لها – حتى أواخر الثمانينيات أصبح أداة البحث الأساسية و بدأ في إثبات قيمته للتطبيقات التجارية و الشخصية. على سبيل المثال، اخترع عام 1978 ” روي تروبشو ” و ” ريتشارد بارتل ” أول لعبة خيالية عبر الإنترنت عرفت باسم ” مود ” في جامعة ” إيسكس” في انجلترا و في عام 1989 اخترع ” آلان كوكس ” في جامعة ” ويلز ” نسخته الخاصة من اللعبة على الإنترنت. ثم يقوم ” تيم بارنس – لي ” عام 1990 في مختبرات فيزياء الطاقة العالمية التابعة للمجلس الأوروبي للبحوث النووية، بالقرب من “جنيف” في سويسرا بتطوير أول محرك للنص التشعبي و صاغ مصطلح ” شبكة الويب (العنكبوتية) العالمية”، و في أوائل 1993 قام ” مارك أندرسن”، الطالب في جامعة ” إلينوي” في المركز الوطني لتطبيقات الحوسبة الفائقة و بتمويل من مؤسسة العلوم الوطنية بالولايات المتحدة ببرمجة الاصدار الأول من ” موزاييك ” المتصفح سهل الاستخدام الذي سيقدم الملايين من الأشخاص على الويب. اعتمد كل من متصفحي ” نتسكيب ” و ” مايكروسوفت إكسبلورر ” على ” موزاييك” في تطوراتهما. و منذ ذلك الحين أصبح مئات الملايين من سكان العالم يستخدمون إنترنت و لازال يتوسع في كل مجالات الحياة المهنية و الاجتماعية..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق