قاومت أكبر إمبراطورية .. على طريقتها: كليوباترا في مواجهة روما

كان في مصر القديمة عاهل لا يشبه من سبقوه، لديه القناعة بأنه اله حي و هو يحاول مقاومة إحدى أكبر القوى في تلك الفترة. نحن في عام ثمانية و أربعون قبل الميلاد.

بعد ثلاثة آلاف سنة من الحكم المطلق دق ناقوس الخطر على أبواب مملكة الفراعنة التي كانت على وشك الانهيار. كانت مصر حينها على خطوات من السقوط تحت سلطة القوة المارقة الجديدة في حوض البحر المتوسط.. روما.

كانت كليوباترا (السابعة) ترى نفسها نسخة روح الإلهة ايزيس ( إلهة الأمومة و الخصوبة ) و حامية التاج الملكي المصري. تحدثت الكتب القديمة عن جمالها الخارق، و لكن ليس هذه كل صفاتها، فالملكة درست علم البلاغة و الفلسفة و العلوم و كانت تتكلم خمسة لغات على الأقل مما جعلها حالة خاصة في عصرها. في سن الواحدة و العشرين من عمرها تحتم عليها الزواج بأخيها بطليموس الثالث عشر، غير أنها كانت عازمة على حكم مصر بنفسها.

قامت كليوباترا بتحضير مخططها في المدينة الملكية الإسكندرية و هي تستقبل أقوى رجل في البحر المتوسط، يوليوس قيصر. اذا كان قيصر محاربا فذا فانه كان كذلك سياسيا محنكا، كان يطمح لفرض سلطته الشخصية على روما كاملة.

عندها قررت كليوباترا أن تضع مصيرها و مصير شعبها بين أيدي قيصر. حسب المؤرخ الروماني بلوترخس ( بلوتارك في اللاتينية) كان قيصر مولع بجمالها و ذكاءها فترك لها الحكم المطلق على مصر. و بما أن المفاجئة لا تأتي وحدها، توفي بطليموس غرقا بعد زمن قصير. تم توطيد و ترسيخ تحالف كليوباترا و قيصر خلال موكب المنتصران فوق قارب على مياه نهر النيل. كانت الملكة قد أصبحت حامل و الطفل الذي ولد بعدها، قيصرون (الذي أصبح بطليموس الخامس عشر بعد ذلك) سيحكم دون شك قوتان متحدتان و سيكون إمبراطور هذا البحر المتوسط الذي كان يسمونه الرومان ” بحرنا” ( مارينوسروم في اللاتينية).

عند عودته في عام ستة و أربعون قبل الميلاد إلى روما احتفل قيصر بنصره بطريقة فريدة.. لباس أحمر أرجواني، وجهه مطلي بالأحمر كذلك، لون يوبتر اله السماء و الأوليمب و الأرض. كان قيصر سيد العالم المعروف حينها فأصبح أسطورة حية في روما. وصل الأمر إلى انه حين إصلاح التقويم الزمني في روما أخذ شهر ميلاده اسمه ” جوليوس”، انه شهر ( جويليا أو يوليو لدينا). في عام أربعة و أربعون قبل الميلاد عينه مجلس الشيوخ الروماني إمبراطورا مدى الحياة و أصبحت سلطته لا تعرف حدود.

كانت الأرستقراطية الرومانية ترى بعين معاتبة العلاقة بين قيصر و كليوباترا التي كان يلقبها الكاتب بلينيوس ب ” الملكة المحضية ” إضافة إلى الإصلاحات التي قام بها و التي أضعفت من دور أعضاء مجلس الشيوخ و جعلت الجمهورية تنزلق نحو مملكة بأتم مظاهرها.

في الخامس من شهر مارس من عام أربعة و أربعون قبل الميلاد اتجه قيصر إلى اجتماع في مجلس الشيوخ لكنه وقع في مؤامرة دبرت للقضاء عليه. انهار قيصر بعد تلقيه ثلاثة و عشرون طعنة خناجر و الأخيرة كانت على يد ابنه بالتبني بروتس. كانت هذه الحادثة إشارة انطلاق حرب أهلية بشعة بين قاتليه وورثته أغسطس و ماركوس أنطونيوس.

رفضت ملكة مصر كليوباترا الاستغناء عن مملكتها حيث كانت تريد أن يخلفها ابنها قيصرون على عرش مصر. في عام الثلاثين قبل الميلاد و بعد العديد من التقلبات و العلاقات الغرامية مع ماركوس أنطونيوس و جدت كليوباترا نفسها مرغمة على الانتحار و هي في سن التاسعة و الثلاثين. من هنا أصبحت أقدم إمبراطورية في العالم سوى مقاطعة رومانية.

ترك قيصر ارثا لخلفائه و هو موت الجمهورية و ميلاد الإمبراطورية في روما، تغير أخذ في طياته اندثار مصر الفرعونية.. و أحلام كليوباترا معها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق