لما يصبح ” تيموجين ” رجلا: العالم ينهار تحت أقدام جنكيز خان

في القرن 12 بعد الميلاد ظهر محارب بدوي في سهوب منغوليا. لم يعرف العالم من قبل مثيلا له ، أمه تناديه ” تيموجين ” و نحن نعرفه أكثر باسم جنكيز خان.

كان عمره تسعة سنوات عندما توفي والد مسموما من طرف قائد إحدى العشائر المنافسة فتحتم على عائلته بعد ذلك الهروب و العيش في المنفى. لم ينسى أبدا تيموجين أحد دروس والدته .. ” الإخوة الذين يسيرون متفرقون كالرمح الوحيد يمكن كسرهم بسهولة ، بينما الذين يتقدمون متحدون أمام العالم و متماسكون مثل حزمة الرماح لا يمكن كسرهم “.. في الاتحاد قوة.. هذه الوصية حددت مسار كل ما سيقوم به مستقبلا.

الشاب المغولي لن يصبح محاربا بارعا فقط بل سيكون زعيما كبيرا بين رجاله. قام بعزل قادة العشائر الواحد تلوى الآخر و قضى على كل من حاول مقاومة مشروعه. الذين يستسلمون يعرض عليهم مقابل وفاءهم رباط الأخوة و التسامح الديني في معتقداتهم و جزء من الغنائم مستقبلا.

قام تيموجين بتجميع وتوحيد كل بدو منغوليا في قوة واحدة موحدة. في عام 1206 قام مجلس العشائر بإعلانه إمبراطور العالم.. ” جنكيز خان “. استطاع جنكيز خان أن يوسع إمبراطوريته إلى ما وراء حدود منغوليا. اعتيادهم النمط المعيشي لبدو الرحل جعل فرسان المغول يرتحلون دون ثقل زائد و يقتاتون من الأراضي التي يغزونها. في ستة سنوات فقط قاموا بدحر الصين و دمروا بكين. تقول الرواية بأن أرض المدينة المهزومة كانت مكسوة بالشحوم البشرية لدرجة أنه عندما حرقت بقت تلتهب لمدة 30 يوما كاملة.

جنكيز خان لم يكن يهتم بالمدينة و كنوزها أكثر مما كان اهتمامه منحصر في الحصول علىالمعرفة و الحنكة التي كان يتميز بها الصينيون في الفنون الحربية و خاصة طريقتهم في حصار القلاع. استحوذ حينها جنكيز خان على كل الآلات الحربية بما فيها أبراج الحصار و المجانيق التي يمكنها رمي القذائف الحارقة.

عندما قام بغزو أراضي الأوغور ، غرب الصين ، أخذ عنهم حروفهم الأبجدية و جعل منها أساس التربية و التعليم الذي يدرس في كل الإمبراطورية. رغم ذلك لم تتوقف الفتحات و الغزوات. من هنا أصبحت جيوش جنكيز خان تسبقها سمعتها الدموية. كانت الشعوب ترتعش من آسيا إلى أوروبا و يظهر ذلك في بعض الشهادات في روسيا مثلا.. ” لا أحد يعرف من هم ، من أين أتوا و أي لغة يتكلمون.. ” و حتى عند المؤرخون المسلمون الذين قالوا عنهم.. ” في البلدان التي لم يتم غزوها بعد، الجميع يعيش ليالي من الرعب في انتظار ظهورهم..”

قطع جنكيز خان في عام 1219 كل آسيا الوسطى و استعد للهجوم على الإمبراطورية التركية الإسلامية في خوارزم ( أوزباكستان حاليا). وصل المغول إلى إحدى جواهرها آنذاك في شهر فيفري عام 1220 و هي بوخارى التي كانت مثل قرطبة في اسبانيا الإسلامية مدينة العلماء و المثقفين الشيء الذي لم يكن يهم جنكيز خان بحيث لم تكن بالنسبة له سوى موقع للحصول على ثروة و سلطة جديدة لا أكثر. بعد محاصرة المدينة قام جيشه بتطبيق خطة رهيبة مستوحاة من التقنية الحربية الصينية حيث كان يقوم الجيش كل ليلة بإغراق المدينة تحت وابل من القذائف الملتهبة. بعد خرابها اضطرت بوخارى إلى الاستسلام. دخل بعدها جنكيز خان المدينة و قضى عل كل مقاومة بداخلها.

استطاع بعدها ، في عام 1223 أن يستولي على آسيا الوسطى برمتها و في خلال عشرون سنة امتدت إمبراطوريته من بكين في الشرق إلى أبواب فيينا ( النمسا) في الغرب.

قام جنكيز خان بتكوين أكبر إمبراطورية في العالم حينها و عند وفاته في عام 1227 ترك هذا المحارب الصلب إرثا مدهشا لرعاياه و المتمثل في قرن كامل من السلم و الرخاء أو ما يعر ف في الروايات التاريخية بالسلم المغولي ( باكس مانغوليا في اللاتينية).

من خلال كل ذلك أعيد فتح طريق الحرير و استطاعت السلع و الأفكار أن تنتشر بين الشرق و الغرب غير أنه ورغم ذلك بقى الشرق الأقصى و الصين بمثابة لغز حقيقي بالنسبة لعدد كبير من الأوروبيين. لكن شاب من مدينة البندقية (ايطاليا) سيزيح هذه الضبابية و يفتح عيون العالم آنذاك على روائع آسيا ، هذا المغامر المقدام سيعرف سمعة تضاهي سمعة جنكيز خان و يسير في تحقيق قدره دون إسالة قطرة دم.. إنها رواية ماركو بولو التي سنرويها في مقامها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق