مجزرة أمريتسار: مأساة الهند البريطانية

 

 

كانت الواقعة التي حدثت يوم 13 أفريل 1919 بمثابة الشرارة و المنعرج الذي دفع بالعديد من القوميين المعتدلين في الهند إلى تغيير مواقفهم و أصبحوا مناهضين تماما للحكم البريطاني في البلاد.

بتوسيع تشريعات الطوارئ في زمن الحرب (الحرب العالمية الأولى) أعطت قوانين ” راولت” (راولت أكتس)  نائب الملك البريطاني في الهند سلطة تلجيم الصحافة و القيام باعتقالات دون أمر قضائي و السجن دون محاكمة. عارض الأعضاء الهنود في المجلس التشريعي المحلي و استقال العديد منهم، بما في ذلك محمد علي جناح مؤسس باكستان لاحقا، احتجاجا على تلك القوانين كما دعى مهنداس غاندي إلى يوم للصلاة و الصوم حيث أغلقت يوم 6 أفريل معظم المتاجر و الشركات في مقاطعة بنجاب.

كانت الإدارة البريطانية في بنجاب، بقيادة السير ” مايكل أودواير” قاسية لأبعد الحدود و كانت المقاطعة منذ فترة طويلة تغلي باضطرابات خاصة في “لاهور” التي شهدت احتجاجات كبيرة مناهضة لبريطانيا و إضرابات في السكة الحديدية. في يوم 10 أفريل و بناءا على أوامر من “أودواير” يقوم مسئولون بريطانيون في أمريتسار باعتقال كل من الدكتور ” سيف الدين كيتشلو”، المحامي المسلم، و الدكتور ” ساتيابال” و هو هندوسي كان قد خدم كضابط في السلك الطبي في الجيش البريطاني، اللذان كانا من قادة الحركة القومية في أمريتسار. و في رد الفعل الغاضب على هذه الاعتقالات اندلعت أعمال شغب و عنف أدت إلى تدمير العديد من الممتلكات و النهب في المدينة. خلال هذه الأحداث قتل عشرة هنود و خمسة مدنيين بريطانيين من بينهم مديرة مدرسة تدعى ” مارسيلا شيروود” التي حوصرت و ضربت لتترك جثة هامدة. أثارة هذه الحادثة الأخيرة سخط و غضب غير متناهي لدى المسئولين البريطانيين.

ظروف الحادثة

المسئول في قضية مجزر أمريتسار يدعى ” ريغنالد ريكس داير”. كان داير عقيدا بمسؤولية عميد مؤقت للواء من الجيش موازاة مع قيادته لكتيبة المشاة في بنجاب. ولد في الهند و كان بارعا في العديد من اللغات بما في ذلك الهندية و البنجابية و قبل مجزرة أمريتسار لم يكن يعرف عنه أنه كان أكثر عنصرية من الضباط البريطانيين الآخرين.أكثر من ذلك، يقال عنه أنه في أوائل عام 1919 كان قد استقال من نادي الضباط الذي كان يخدم كتيبته لأنه عارض استعباد الهنود الذين كانوا يشغلون مهام ضباط. يعلل بعض المؤرخون أنه خلال الأحداث افتقر داير إلى الثقة في النفس إضافة أنه كان عنيدا و متهورا، لم يطع الأوامر دائما و ” لسوء الحظ كان متمركزا بالقرب من أمريتسار”.

يقال كذلك أن داير تصرف بفرده عندما نقل كتيبته إلى أمريتسار يوم 11 أفريل. في اليوم التالي أعاد إصدار أمر حكومي سابق يحظر أي اجتماع أو تجمع حيث لم يواصل السياسة السابقة المطبقة رسميا و المتمثلة في توسيع سيطرة الجيش و الشرطة البريطانية ببطء على جزء من المدينة تلوى الآخر، بل انه فضل استعراض القوة عبر أمريتسار ثم سحبها..

على الرغم من التصريحات ضد أي تجمع توافد آلاف الهنود على الحديقة العامة ” جليانوالا باغ ” يوم 13 أفريل و معظمهم جاءوا لدعم “كيتشلو” و ” ساتيابال” المسجونين. وصل البعض بعدما أغلقت الشرطة معرضا قريبا أقيم بمناسبة رأس السنة السيخية. بحلول وقت متأخر من بعد الظهيرة كان حشدا كبيرا حاضرا لكنه هادئ إلى حد ما. تختلف التقديرات لكن بالتأكيد كان هناك أكثر من 10 آلاف شخص و كانت حديقة ” باغ” فخا لهم حيث كانت محاطة بجدران المباني المحيطة و لم يكن بها سوى عدد قليل من الفتحات الضيقة للدخول أو الخروج، و القليل من الأبواب الموجودة كانت مغلقة بمفاتيح.

لحظة الانزلاق

لم يقم داير بأي محاولة لمنع الاجتماع في “جليانوالا باغ” أو تفرقته سلميا بل قرر أن يكون مثالا و درسا لمن انتهكوا الحظر البريطاني على التجمعات الكبرى.  و تحقيقا لهذه الغاية جمع قوة صغيرة من 90 رجل، من غير البريطانيين، حيث اختار أفراد من “البلوش” و “الغوركا”، جنود من الشعوب الأصلية الذين لا يعرف لديهم تعاطف مع الهنود المحليين. أحضر معه عربتين مصفحتين مجهزتين بمدافع رشاشة، يقال أنه حتى دون الرشاشات المذبحة كانت ستكون مروعة نظرا للحشد الهائل من المواطنين في مكان مثل حديقة “باغ”.

دون أي تحذير وقف جنود داير يطلقون النيران على الهنود العزل لمدة 10 إلى 15 دقيقة.. كان هناك منفذ واحد فقط متاح للآلاف، و في لحظة يأس قفز العديد من المتجمهرين في بئر عميق. بعد أن أطلقت قوات داير 1650 رصاصة أمر القائد البريطاني بنهاية المجزرة لأنه كان يخشى أن تنفذ ذخيرة رجاله و لن يتمكنوا من حماية انسحابهم. لم يعرف عدد القتلى بالضبط، تشير التقديرات الرسمية الصادرة عن السلطة البريطانية إلى 379 قتيل و تقدم دراسة هندية أن العدد كان 530 بينما ارتفع عدد الجرحى إلى أكثر من ألف..

المنطق الاستعماري

بعد أن أصبحت حقائق المجزرة معروفة لدى الرأي العام تم طرد داير الذي عاد إلى بريطانيا حيث وجهت له لجنة تحقيق خاصة “اللوم” و فقط في عام 1920. و على الرغم من الرقابة الرسمية ارتفعت بعض الأصوات في بريطانيا التي رأت داير كبطل اتخذ إجراءات ” حاسمة” لمنع ” تمرد كان من شأنه أن يزعزع الحكم البريطاني في جميع أنحاء القارة الهندية”.. دائما من منطق استعماري امبريالي، بالنسبة للعديد من أفراد الطبقة العليا و المتوسطة و ضباط الجيش البريطاني داير ” وقع ضحية لحاجة الحكومة إلى استرضاء القوميين الهنود”.

توفي “ريغنارد ريكس داير” طبيعيا في عام 1927، بينما قتل هندي يشعر بالمرارة ” مايكل أودواير” في عام 1940، عشرون سنة بعد الحادثة..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق