مظاهرات 8 ماي 1945: الجزائر تنتفض

نظم حزب الشعب الجزائري بمناسبة فاتح ماي 1945 استعراضات في المدن الرئيسية في البلاد قصد المطالبة بتحرير زعيمه ” مصالي الحاج” و ليظهروا من جهة أخرى للحلفاء المنتصرين على النازية وجود و إمكانية حركة وطنية قادرة على تأطير الشعب الجزائري. فيتم إيقاف المعروفين من مناضلي الحزب و يندد المعمرون و الاتحادية العامة للعمل و الاشتراكيون و الشيوعيون بشدة بالوطنيين..

الاحتفال و الاستفزاز الاستعماري

قرر حزب الشعب الجزائري، بعدما شجعه نجاح استعراض الفاتح ماي، تنظيم مظاهرات كبرى بمناسبة عيد النصر للحلفاء و ذلك برفع الألوان الوطنية و اللافتات المكتوب عليها ” من أجل انعتاق الشعوب” و ” حرروا مصالي” و تحيا الجزائر حرة مستقلة” و ” تسقط الامبريالية”…كان على المظاهرات أن تكون سلمية. ففي المدن الرئيسية شارك الآلاف من الجزائريين في الاستعراضات و في المراكز التي سمحت فيها السلطات الفرنسية باندراج المظاهرات، حيث بقيت سلمية مثل البليدة و البرواقية و سيدي بلعباس.

أما المدن التي تدخلت فيها الشرطة، فكان هناك طلقات نارية و جرحى. و لكن في سطيف قامت الشرطة بالاستفزازات و هذا ما حمل الجماهير الشعبية و على الخصوص الريفية على المقاومة و الانتقام.

كانت أحداث سطيف و قالمة إشارة للجهاد. فتشكلت مجموعات من الفلاحين و هاجموا قرى الاستعمار الاستيطاني. لم تكن ثورات جوع و لكن ثورات لها صفة الانشقاق تعلن انتفاضة شاملة. حينها طلب ممثلو حزب الشعب الجزائري، الذين كانوا يجوبون المنطقة و بعد أن لاحظوا الحماس الشعبي، من القيادة المركزية لحزبهم اتخاذ إجراءات لمساعدة المنتفضين في الناحية القسنطينية. فأعطت القيادة الأمر بالانتفاضة العامة و حددت اليوم المعلوم في ليلة 23 الى 24 ماي. لكن أمام ضخامة القمع و خضوع بعض القبائل تحتم على القيادة أن تعطي أمرا منافيا لتفادي المجزرة. هذان القراران لم يفهمهما العديد من المناضلين بصفة جيدة، فالأمر المنافي لم يلحق بعض النواحي مثل منطقة القبائل و ناحية سعيدة حيث واصلت بعض المجموعات المقاومة.

قمع دون حدود

في المدن تعرض الجزائريون قبل كل شيء إلى قمع الشرطة و الدرك. و قد تمت إعانة هذه القوات القمعية مليشيات مشكلة من الفرنسيين المدنيين و مكلفة بحراسة النقاط الحساسة و التي قامت بإعدامات بدون محاكمة.  تدخل الجيش الاستعماري في المدن و قام بحرب بكيفيات مختلفة ضد المشاتي و القرى، فقام الطيران بقنبلة العديد من المنازل و قامت البحرية بقصف ناحية خراطة..و موازاة مع ذلك تحتم على آلاف الفلاحين الحضور إلى احتفالات مهينة نظمه العساكر للاحتفاء بانتصاراتهم على النازية.

تتحدث المصادر الاستعمارية عن وفات 6000 إلى 8000 من المسلمين خلال الاشتباكات و ضبط المناضلون هذا العدد ب 45000 .. من بين 5560 جزائري الموقوفين، حكمت المحاكم العسكرية على 1319 شخصا ( 99 حكما بالإعدام، 64 حكما بالأشغال الشاقة مدى الحياة و 329 حكما بالأشغال الشاقة لمدة معينة و 250 تبرئة و 577 من غير حكم).

كانت لانتفاضات ماي 1945 عواقب هامة. فأوقف ” دي غول” لجنة التحقيق المعينة من طرف الحكومة العامة لأنه كان يريد أن يجعل الحلفاء يعتقدون أن ما جرى هو عمل بعض المشاغبين الذين لم تعجبهم هزيمة الألمان و ليست حركة وطنية. فطالب المنتخبون بإيقافات و عقوبات أكثر مما وقع، و انتهز الشيوعيون الفرصة لإدانة وطنيي حزب الشعب الجزائري و ” أصدقاء البيان و الحرية”. لكن عندما لاحظوا فيما بعد تأثير الوطنيين، فإنهم اتخذوا في أوت 1945 موقفا آخرا، فأدانوا القادة الوطنيين و نددوا بالمؤامرة الفاشية للمعمرين و طالبوا بحملة من العفو..

الطريق نحو العمل المسلح

لكن أخطر خلاصة تمثلت في تفكك الوحدة المنجزة مع ” أصدقاء البيان و الحرية”: اعتبر “فرحات عباس” و رفقاءه أنهم قاموا بتحالف مع حزب الشعب الجزائري و بعثوا حزبا جديدا ” الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري” لتفادي تسرب عناصر حزب الشعب. و عندما لم يستطع هذا الأخير تغيير رأي ” فرحات عباس” فانه اكتفى بالعمل منفردا و بما أنه لم يتمكن أن يصير من جديد حزبا قانونيا فانه أعاد تنظيمه بصفة سرية و تسرب في الكثير من المدارس و مجموعات الكشافة و الجمعيات الرياضية و أنشأ خلايا جديدة.

استخلص المسئولون حينها النتيجة التالية: بالإضافة إلى المطالبة بالاستقلال، كان لابد من البحث على الطريق الذي ينبغي إتباعه و ضرورة اللجوء إلى حركة سرية قصد بداية العمل المسلح…

…..

(المصدر: ” تاريخ الجزائر- 1830 – 1954- محفوظ قداش- 2008)

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق