مماليك إفريقيا: دولة أشنتي سيدة غانا

سيطرت مملكة أشنتي على معظم أراضي دولة غانا الحالية بين أواخر القرن السابع عشر و أوائل القرن العشرين. كانت تقودها مجموعة عرقية تسمى “آكان” و التي تتكون بدورها من 38 مجموعة فرعية. في أواخر القرن السادس عشر كان هناك ما لا يقل عن 30  دويلة تتوافق مع الأقسام الفرعية لشعب آكان و في عام 1650 انخفضت هذه المجموعات إلى تسعة لتتوحد في الأخير في 1700.

 

شكلت هذه المجموعات في النهاية كنفدرالية يقودها قائد مجموعة “كوناسي”. الممكلة التي شكلها المحارب الأسطوري ” أوسي توتو” عام 1691 كانت في الواقع كنفدرالية لكل من شعب آكان و الغير أكان. كان رمز الملك مقعد (كرسي) الذهبي الذي يمثل العرش ليصبح رمز المملكة. كانت مملكة أشانتي و على الرغم من كونها كنفدرالية ترتكز على وحدة ثلاثة قواعد للسلطة: الإدارة و الاتصالات و الاقتصاد و كانت تقع في شمال ما يعرف الآن بدولة غانا. تولى “أوسو توتو” الإدارة التي أنشاها الحاكم السابق “دينكيرا” و أضاف لها المجمعات التي تقع على بعد أقل من 80 كيلومتر من العاصمة كوماسي فأصبح يقودها مباشرة “الأشنتهين” (أو الحاكم). تحت حكم “أوسي توتو” و خليفته “أوسي أبوكو” ( استمر حكمهما الاثنين من حوالي 1690 إلى 1750) تطورت المملكة بشكل كبير حيث غطت في عام 1750 أراضي شاسعة و بلغ عدد سكانها 2 الى 3 مليون نسمة، أي كل غانا الحالية باستثناء المناطق الساحلية المتاخمة للدول المعاصرة توغو و كوت ديفوار و بوركينا فاسو.

لإستعاب و تسيير هيكل الدولة الجديدة المتسعة تم تقسيم الإدارة إلى مناطق حضرية و أخرى إقليمية. المناطق الحضرية هي تلك المدن التي كانت تحيط بالعاصمة كوماسي. قادة هذه المدن يشكلون الكنفدرالية و كان التزامهم الوحيد هو تقديم الولاء و التكريم السنوي لكوماسي و الدعم بالقوات في حالة حرب. امتدت هذه الأعراف الى أعضاء الدولة الجدد. انتخبت جميع المدن مجلسا استشاريا حكوميا مؤلف من أعيان المجتمع. اعتبرت المدن جزءا من مجال حكم كوماسي لأنها تدفع الضرائب التي دعمت جيشا مستقرا حتى أوائل القرن العشرين.

بعد تمرد أحد القادة العسكريين عام 1748 تم إنشاء حرس القصر.  كان قادة الدوائر الحضرية أعضاء في عشيرة “أيوكو” الملكية و لهم مقعدهم في المجلس الملكي و يتمتعون بالاستقلالية في كل الأمور عدى ما تعلق بالضرائب و القضايا العسكرية. و قد اكتسب مجلس “أشنتهين” سلطة كبير حيث تمكن في بعض الأحيان زعزعة استقرار زعيم منعدم الكفاءة و ساعد بصفة رسمية في اختيار “أشنتهين” جديد.

التسيير و السلطة الإدارية

خضعت المناطق الإقليمية في التسيير الإداري إلى تزايد مركزية القرار على مر القرون. لم تشارك المناطق النائية المجاورة لآكان في عمليات اختيار الحاكم الملكي لكنها كانت مرغمة على دفع الضرائب. و في عام 1800 أجبروا أيضا على تقديم التكريم و الولاء و كانوا عرضة لمراقبة إدارية متزايدة خاصة من طرف وكالة الدولة التي تسيطر على مجال التجارة الداخلية و الخارجية. كانت المناطق غير آكانية الخاضعة للرقابة، حتى منتصف القرن التاسع عشر، ترسل ألاف العبيد كل عام إلى كوماسي.

اعتمدت دولة أشانتي في فعاليتها على تنظيم الاتصالات بطريقة تقليدية محكمة حيث استغلت الإدارة المعقدة كقناة اتصال في جميع أنحاء الدولة. بالاضافة إلى ذلك تم استغلال الضرائب و الرسوم و الهبات في تكوين جيش جيد الصيانة و منظم لعدة قرون. كانت الطبول هي الأكثر شهرة في عمليات الاتصال لأن لغة أشنتي الوطنية التي تسمى “توي”  سهلة في تركيبتها و يمكن لأي قائد أو مسؤول إداري بعث رسائل عن طريق مطابقة المقاطع اللغوية بنغمات الطبول  تقريبا بطريقة مشابهة لرموز “مورس”.

الوجه الاقتصادي للملكة

كان محرك الكنفدرالية اقتصاديا لامتلاكها أراضي خصبة و غابات و موارد معدنية، بما في ذلك الذهب..تضمنت دولة أشنتي منطقتين طبيعيتين، في الحزام  الجنوبي هناك غابات و تربة خصبة أنتجت محاصيل للاكتفاء الذاتي من البطاطس و البصل و الذرة ، و في القرن التاسع عشر عندما انتشرت الزراعة التجارية أنتجت المنطقة الجوز و الكولا و الكاكاو. أما حزام السافانا الشمالي فكان ينتج من جهته البطاطس و ذرة غينيا.

كانت دولة أشنتي في موقع مميز لاستيراد و ممارسة تجارة الرقيق من الشمال و الغرب, النشاط الذي بدأ من القرنين الخامس عشر و السادس عشر و امتد حتى ثلاثينيات القرن التاسع عشر عندما ألغيت العبودية. استخدمت أشنتي العبيد في الزراعة لزيادة المحاصيل مثل الموز و الأرز و المنتوجات الجديدة مثل الذرة التي أتي بها من الأمريكيتين و أدى ذلك إلى زيادة في عدد السكان لينتقل شعب آكان بأعداد هامة للاستقرار في المناطق الغابية. كما استغل العبيد كيد عاملة في استخراج أهم الموارد المعدنية، الذهب. استخدمت مؤسسة آكان عمالة الرقيق للتجارة مع الأوروبيين، البرتغاليين و الهولنديين و الإنجليز، و كذا في استصلاح الأراضي الجديدة للزراعة و الاستثمارات المنجمية.

جلبت تجارة الرقيق لإنتاج الذهب المزيد من العبيد لاستخراح هذا المعدن الثمين كما كان يتم تبادل العبيد مقابل الحصول على الأسلحة النارية. ساعدت الرغبة في ممارسة السيطرة على إنتاج الذهب و المجمعات الزراعية الجديدة في الغابات على توطيد وظائف الدولة كما دفعت الرغبة في التحكم في الوصول إلى اليد العاملة دولة أشنتي الى محاولة السيطرة على الساحل الذي تسكنه شعوب “فانتي”. أدت محاولة غزو أراضي فانتي هذه إلى نزاعات عسكرية و معارك مع البريطانيين الذين كانوا قد سيطروا على الساحل الذهبي (غولد كوست) في عام 1815. لعبت في السابق أشانتي و رقة الهولنديين و البرتغاليين ضد البريطانيين و بعد اشتباكات تمكنت أشانتي خلالها هزيمة البريطانيين في عامي 1807 و 1824 عانت من الانتكاسات و الهزائم بعدها لتقبل في الأخير بنهر “براه” كحدود لا تتعداها.

بداية الانهيار

ساد بعد ذلك سلام لحوالي 40 سنة و في عام 1872 تشهد المنطقة نزاعا طويل الأمد من أجل السيطرة على “أل مينا” (مركز البريد البرتغالي و الهولندي الكبير) لتتجدد الاشتباكات. بعد انتصار أشانتي المؤقت احتل البريطانيون كوماسي عام 1874 حتى إبرام معاهدة سلام. و في نهاية القرن التاسع عشر بدأت دولة أشانتي في الانهيار و التفكك، فانفصلت عدة مناطق عن المملكة بحيث تراجعت مساحات الدولة مع حلول عام 1900 بشكل رهيب و وصل عدد سكانها مليون نسمة فقط. قبلها بدأ البريطانيون التدخل في شؤون أشانتي  حيث سبق أن قاموا بخلع “الأشنتهين” في عام 1896 و في عام 1900 طالبوا بالمقعد الذهبي مما أدى إلى انتفاضة كبيرة لقدسية ذلك المقعد ليتم إخماد تلك الثورة في عام 1901 و أصبحت بعدها أشنتي محمية بريطانية. بشكل لا يصدق لم يتم تسليم المقعد الذهبي أبدا ليعاد إلى أمة أشانتي بعد أن عثر عليه عن طريق الصدفة في عام 1921، و في عام 1935 أعيد له كذلك دوره الاحتفالي بصف رسمية.

خلال الفترة الاستعمارية تضاعف عدد سكان المنطقة أربع مرات و قام شعب أشنتي بزراع الكاكاو كما تفننوا في الصناعات الحرفية اليدوية مثل النسيج و نحت على الخشب و السيراميك و الفخار و أصبحت قطعهم الأثرية البرونزية و النحاسية بارزة في متاحف جميع أنحاء العالم. أصبحت مملكة أشنتي منذ 1935 جزءا من غانا و تم إعادة تنظيمها إلى 21 مقاطعة.

أبدت تلك  دولة طوال عصرها الذهبي مرونة خارقة على حساب جيرانها الذين استغلتهم فواصلت الإنتاج في المناجم و تطهير الغابات و إصلاح الأراضي للإنتاج الزراعي و استخدمت تجارة العبيد لتحصين قوتها العسكرية و الدبلوماسية مع حلفاءها الأوروبيين الرئيسيين. و بعد إلغاء العبودية وجدت مخارج اقتصادية جديدة في جوز الكولا خصوصا. في القرن العشرين جعلت من الكاكاو أكبر صادرات غانا. حتى يومنا هذا تحتفظ مملكة أشانتي في غانا المستقلة وجودا بارزا و احتفظ شعب أشانتي بهويته الثقافية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق