منعرج الحرب العالمية الأولى: موت الإمبراطوريات وميلاد الأيديولوجيات

لم يدخل القرن العشرين على أوروبا مثل القرون التي سلفت، المواجهة الاقتصادية التي كانت تعيشها القوى الصناعية العظمى زادت من حدة النزاعات الدبلوماسية التي كانت متوترة في أصلها. ألمانيا وليدة الكونفدرالية الجرمانية التي تطغى عليها بروسيا تحاول أن تعزز وحدتها الفتية وفرنسا من جهتها تعيش على هاجس استرجاع منطقتي ألزاس ولورين والأخذ بثأر هزيمة 1870.


بعد اغتيال وريث العرش النمساوي الأرشيدوق فرانز فرديناند و زوجته في صائفة 1914 بسراييفو، عاصمة البوسنة و الهرسك، كل العوامل اجتمعت.. أوروبا على حافة الهاوية فلم يبقى سوى القيام بخطوة كي تسقط روحا و جسدا في الحرب الكبرى.. اتخذت تلك الخطوة في شهر أوت حيث دخلت في بادئ الأمر الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية في مواجهة فرنسا وروسيا والمملكة المتحدة (دول الوفاق الثلاثي).

الثورة الصناعية سمحت بإنتاج أسلحة جديدة ورهيبة لم تعرفها حروب الإنسانية من قبل، تسعة ملايين جندي سيموتون برصاص الرشاشات و القذائف والطائرات والدبابات..

لم تكن الحرب في عام 1917، بعد ثلاثة سنوات من الجحيم، عالمية بأتم معنى الكلمة حيث انحصرت بين دول أوروبية. وفي وفاءه لسياسة أمريكا في عدم التدخل الخارجي كان الرئيس وودرو ويلسون يرفض دائما الزج ببلده في هذا النزاع. لكن الألمان بأنفسهم سيسهلون عليه المهمة كي يخرج من هذه الوضعية التي لا تحتمل.

في خطتهم لتجويع إنجلترا قرر الألمان فرض حصار تام على الجزر البريطانية وكانت مهمة غواصاتهم غرق كل السفن المحملة بالسلع التي تحاول كسر ذلك التطويق. المشكلة أن هذه الاستراتيجية تحمل في ذاتها مخاطر لأن مجمل السفن المتجهة نحو الجزر البريطانية هي أمريكية و تلك الهجومات البحرية المتتالية من شأنها أن تدفع الولايات المتحدة الى الدخول في الحرب. فكان يستوجب على الألمان تغيير مركز اهتمامات أمريكا، ولكن كيف يمكن ذلك؟

كانت هناك شخصية مقتنعة أنها تملك الخطة المثالية لذلك وهو وزير الخارجية الألماني الجديد، أرثرزيمرمان. أراد هذا الأخير أن يشجع المكسيك على استرجاع ثلاثة مناطق سلبتها الولايات المتحدة والمتمثلة في ولايات تكساس ونيومكسيكو وأريزونا. كان زيمرمان يتمنى أن الولايات المتحدة الأمريكية إذا واجهت حرب على حدودها الجنوبية ستغض النظر على ما يحدث في المحيط الأطلسي.

 

مؤامرة مكسيكو


للقيام بهذه المناورة أرسل برقية سرية للسفير الألماني في مكسيكو ليحرض الحكومة المكسيكية على ذلك واقتراح تحالف مع ألمانيا في حالة نشوب الحرب. ظن زيمرمان أن مراسلته ستبقى سرية، غير أن مصالح المخابرات البريطانية استطاعت فك ترميز الرسالة وأخبر الرئيس الأمريكي بفحوى المؤامرة..

بعض الأمريكيون كانوا مقتنعون بأنها خدعة هدفها استدراج أمريكا في الحرب الأوروبية، لكن زيمرمان أثبت لهم عكس ذلك حيث صرح أمام صحافة بلده أنه حقيقة هو صاحب البرقية.. انقلب من لحظتها الرأي العام الأمريكي من الانعزال الى التحمس لدخول الحرب وفي يوم 6 أفريل 1917 صوت الكونغرس الأمريكي باعتراف وجود حالة حرب مع ألمانيا.
حتى و ان فشل زيمرمان في مناورته تلك الا أنه كان يملك في جعبته أكثر منها.. ألمانيا في تلك الفترة تحارب على جبهتين، الشرقية والغربية، فأراد زيمرمان اراحتها من احداهما. 

ثلاث أشهر بعد ” مؤامرة المكسيك ” توجهت أفكاره الى الجبهة الشرقية.. في شهر جوان 1917 قامت الجماهير الروسية بثورة على القيصر وطالبت بإيقاف فوري للقتال. هذا المطلب ان تحقق سيساعد الشؤون الألمانية، لكن الإشكالية أن احتجاج الشعب الروسي لم يكن يملك قائدا بأتم معنى الكلمة.. زيمرمان سيزودهم بذلك، الشخصية تدعى ” فلاديمير ايليشأوليانوف ” المعروف باسم ” لينين”.
كان قائد الحزب البلشفي من منفاه بسويسرا يحلم بإنشاء دولة شيوعية بروسيا وفي أفريل 1918 عاد لينين الى بيتروغراد (سانت بطرسبرغ حاليا) بعدما عبر التراب الألماني في قطار محمي بالحصانة الدبلوماسي حيث نظمت و مولت الحكومة الألمانية عودة المنفيين الروس. قال حينها لينين.. ” استراتيجيتنا سهلة وبسيطة، تتلخص في طلب فوري للسلم مع ألمانيا، إعطاء السلطة للسوفيات والمصانع للعمال والأرض للفلاحين”.

بعد استقباله في بيتروغراد يمكن الآن للينين أن يحقق مشاريعه. نجح مخطط زيمرمان لكنه كان مرغما على الاستقالة في شهر أوت 1918.

بعد شهرين فقط انطلق لينين والبلاشفة في ثورة أكتوبر التي ستنتهي بقيام اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.. وفي يوم 3 مارس 1918 أعلنت روسيا البلشفية السلم مع ألمانيا بإمضاء معاهدة ” برستليتوفسك “. جاءت تلك المعاهدة التي كانت من المفروض أن تساعد ألمانيا عل التفرغ للجبهة الغربية بعد فوات الأوان، فدخول أمريكا في الحرب قلب موازين القوى وانتهى الصراع بانتصار الحلفاء.

ولد جحيم الحرب العالمية الأولى عملاقان، الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد السوفياتي اللذان يملكان و بوفرة هائلة الموارد الطبيعية وقوة ديمغرافية و صناعية في آن واجد، ليتجه العالم بعدها نحو مواجهة جديدة بين نظامين، الشيوعي و الرأسمالي في انتظار ميلاد أيديولوجية ثالثة ستدفع به، سنوات قليلة بعد ذلك، الى جحيم أعظم.. انها النازية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق