من رومولوس الى أغسطس: ميلاد روما وبدايات عمرانها

روما اليوم هي مدينة وعاصمة في القرن الواحد والعشرين، تمتزج بها ملامح القديم والجديد. لدى روما الكثير ما تعلمنا إياه لأنها كانت لما لا يقل عن 1000 سنة مهد حضاري في تاريخ العالم ومركز لإمبراطورية عظيمة امتدت من شمال بريطانيا الى أرمينيا ومن شمال افريقيا الى ألمانيا.

تقول الأسطورة المتداولة أن المدينة بنيت في 753 قبل الميلاد على يد ” رومولوس ” و “ريموس “، أخوان توأم هجرا عند الولادة لترضعهم ذئبة. قام الاخوة ببناء مدينة على ضفة نهر التيبر. عند اختيار حاكمها نشب شجار بين التوأم انتهى بالدم، قتل رومولوس ريموس وأعطى المدينة اسمه. المسار التاريخي لروما أثبت انها ليست هذه هي المرة الأخيرة التي يمهد فيها الاغتيال الطريق لحاكم جديد. الحرب الأهلية هي احدى خصائص صعود دولة روما وأسطورة رومولوس وريموس ستتكرر طوال تاريخها.

كانت في الأصل روما واحدة فقط من بين مماليك صغيرة لا تعد ولا تحصى تناور من أجل السلطة والهيمنة على وسط إيطاليا. لكن خلافا لمعظم جيرانها الذين كانوا يشتبهون في الأجانب كانت روما ملاذ آمن للمنبوذين الطموحين. أمام قلة سكانها قرر رومولوس جعلها ملجأ أو منطقة حرة لجميع العبيد الهاربين واللصوص والقراصنة كي يأتوا لبناء ذلك الحلم الكبير، روما.

هذا التفتح الغير معتاد على الغرباء عزز منذ البداية تبادل الأفكار وذلك من خلال اقتراض واستوعاب تقنيات الجيران، مثل ” الاتروسكان “، لتصبح بعدها روما قوة إقليمية. أظهر سكان روما قدرة كبيرة على التأثر بالتقنيات المنتشرة آنذاك فتبنوها لاحتياجاتهم وصقلوها وحسنوها. اقترضوا من الاتروسكان أسالبهم في بناء الطرق وامداد المياه من خلال الأنفاق وبناء الأسوار الضخمة، ما خلقوه يندرج في سياق الفنون الأتروسكية.

كان أول انجاز كبير لهم هو بناء مجرى مياه الصرف الصحي الذي يعرف باسم ” كلواكا ماكسيما “، مجرى رئيسي ضخم لايزال يستخدم حتى اليوم بعد 2500 عام من انشاءه. يجلب كلواكا ماكسيما مياه الصرف من روما لتتدفق في نهر التيبر. استخدم كذلك المهندسون قنوات تحت الأرض لتجفيف الأهوار التي تفصل بين التلال السبعة، ذلك المكان الذي سيتم فيه بناء منتدى روما الشهير وسط المدينة.

كان بناء كلواكا ماكسيما هو الحدث الذي جعل العديد من القبائل التي تعيش على التلال حول مستنقع تتجمع وتتوحد، كما سمح المنتدى الجديد الذي نتج عن تجفيف الأهوار لحضارة أن تتجذر حول مكان مركزي.

كلما انغرست حضارة روما في المنطقة كلما ازداد نفوذها. في القرن الرابع قبل الميلاد، كانت روما قد هيمنت على وسط إيطاليا تقريبا وعندها قام مهندسوها بإنشاء شبكة طرق للاتصالات في الجمهورية المتوسعة. في العصور القديمة، كانت هناك وسيلتان للنقل، برية وبحرية، البرية كانت تتمثل في استعمال الخيول أو السير على الأقدام والعربات، الطرق كما نعرفها اليوم كانت شبه منعدمة قبل روما.

تقنيات وابتكار

كل شيء تغير في عام 312 قبل الميلاد مع بناء ما يعرف بطريق أبيا (فيا أبيا)، أول طريق وطني في روما على مسافة 210 كلم ربط العاصمة بمقاطعة كامبانيا (عاصمتها نابولي اليوم) جنوبا. من أجل رسم أوضح للطريق وجعله مستقيما استخدم المهندسون الرومانيون أداة مسح خاصة تدعى ” غروما ” وهي عبارة عن عمود يغرس في الأرض تعلوه دعامة بأربعة أذرع يحمل كل منها خيطا به ثقل (تعرف كذلك بالشاقول). مكنتهم هذه التقنية من رسم خطوط مستقيمة تماما على الأرض.
الفرق الكبير بين الطرق الرومانية والطرق الحديثة هو أنهم كانوا لا يستطيعون انشاء المنعرجات، لذلك كانت طرقهم مستقيمة دائما ثم تتحول فجأة في اتجاه آخر. كان من الواضح أنه عندما نبني مسارا مستقيما نصطدم بوجود تلال ووديان التي يجب عبورها، هنا يجبر الرومان على حفر الجبال للاستمرار.

تقنيا وبمجرد تخطيط المسار المثالي يتم حفر خندق يملئ بالرمل والحجارة لتشكيل قاعدة صلبة، تأتي بعدها طبقة من الحصى تمزج بالطين أو الملاط. ممر السير المكون من قطع حجرية يتم تقويسه على انحناء خارجي لتسهيل مجرى المياه على جانبي الطريق. كانت هذه هي المرة الأولى التي يبنى فيها طريقا مستقرا، طريق صمد أمام اختبار الزمن وتحمل المرور المستمر للعربات وبعدها للجيوش.

عند اغتيال يوليوس قيصر، عام 44 قبل الميلاد، كانت روما تسيطر على كل أوروبا الغربية تقريبا وشمال افريقيا. قبل مائة عام كانت قد هزمت قرطاج لتصبح القوة العظمى الوحيدة في البحر الأبيض المتوسط.

خليفة يوليوس قيصر هو حفيد أخته ” أكتافيوس ” الذي أخذ اسم ” أغسطس ” وسيكون أول امبراطور لروما. تحت حكمه امتدت شبكة الطرق الى أبعد حدود الامبراطورية و بما أن الطرق مرصوفة فلماذا لا تنشأ وجهات جديدة ؟

خلال حكم الامبراطور أغسطس انتشرت المدن ذات الطراز الروماني في كل مكان بمنتدياتها ومسارحها ومدرجاتها وجميع المعالم الأخرى للمدينة الرومانية.

بالنسبة لسكان المقاطعات التي يتم غزوها كانت تلك المدن الجديدة جذابة وتعرض أسلوب الحياة الرومانية، يأتي الناس الى تلك المراكز الحضرية الجديدة التي تمنح مستوى معيشي أفضل وتوفر وضائف وفرص للعمل عديدة. ينتهي الأمر بتلك الشعوب في الأخير باستيعاب وتبني المثل العليا والتقاليد الرومانية.

كانت المدينة الرومانية في حد ذاتها أفضل أداة دعائية لروما ان صح التعبير. العديد من تلك المدن، لندن، بون، باريس.. لازالت تشهد على التوسع الحضاري لروما.

لإنشاء مدنهم كان لدى المهندسين مادة سرية سمحت لهم بالبناء بأشكال ضخمة وصلبة وفي وقت أسرع من الآخرين هي خرسانة ممزوجة برمل بركاني يسمى ” بوزولان ” (من منطقة بوزولان). كانت الخرسانة قبلها عبارة عن خليط بسيط من الجير والماء التي رغم جودتها لم تكن صلبة بالشكل المطلوب لأن جسيماتها تفتت بسهولة. عند الرومان كانت مختلفة لأن رمل بوزولان لديه رد فعل أحسن مع الجير وتفاعله أفضل يجعله أكثر مقاومة.

خلال حكم أغسطس عزز هذا النوع من الاسمنت تأثير روما في أوربا الغربية حيث سمح للمهندسين والبنائين تغير المحيط العمراني بأعمال فنية رائعة ودائمة لازلنا نتمتع بجمالها الى يومنا هذا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق