من مماليك متحاربة الى تنين كبير: آل ” تشين ” وطفرة امبراطورية الصين

كانت امبراطورية هائلة، غامضة و مبتكرة الى أبعد الحدود، الوحيدة التي دامت 4000 سنة.. انها الصين. كان على رأسها أباطرة استطاعوا تجنيد جيوش لا تحصى من الفلاحين لتشييد معالم مذهلة وغير مسبوقة ليس لها مثيل على وجه الأرض.. الضريح الذهبي، أكبر قناة لجر المياه في العالم، أكبر أسطول بحري كما لم تعرفه المحيطات الى حد ذلك الزمان، دون نسيان المعلم الأيقونة لهذه الإمبراطورية، هو سور الصين العظيم، أكبر الورشات في التاريخ.

رغم هذه القائمة من الابداعات ومع تعاقب السلالات الحاكمة فان هذه الإمبراطورية سينهكها الغرور والجشع وسوف تتمزق الى أجزاء عندما يثور الناس البسطاء ويؤدي الاضطهاد الدمار.

عندما بنى المصريون أهراماتهم كان في نفس الزمان للصينيين قصور فخمة لملوكهم وعندما تخيلت روما قنواتها لإطعام مواطنيها بالمياه حول الصينيين نهرا واخترقوا الجبال قبل حتى اختراع المتفجرات. لقد بنوا سدا لري آلاف الهكتارات وولدوا انفجارا سكاني لم يسبق له مثيل.

قبل أربعة آلاف سنة، تطورت الحضارة الصينية وانتشرت في مناطق شاسعة، لكن على مدى القرون عاشت تلك الأرض في حالة اضطرابات دمرتها الحروب التي خاضتها من أجل السلطة المماليك المتعددة التي كانت تشكلها. في ذلك الوقت كانت الصين تتألف من عدة دويلات متناحرة وعرفت تلك الفترة لدى المؤرخين بحقبة ” المماليك المتحاربة”.

في القرن الثالث قبل الميلاد، استطاعت مملكة من بسط هيمنتها على المماليك الأخرى. كانت تلك المملكة في غرب الأراضي الصينية الأقوى والأكثر قسوة وعدائية، محاربة، طموحة ومصممة على احتلال وتوحيد المماليك السبعة، انه عرش ” تشين”. توحيد تلك المجموعة من الأراضي خلق امبراطورية لم يعرف العالم مثيلا لها.

كانت ثقافة عرش تشين مزدهرة، تقع في منطقة مسطحة وخصبة تعبرها الطرق التجارية الرئيسية مثل طريق الحرير الشهير، الشيء الذي سمح لها بتوطيد علاقات واتصالات على حدود الصين وخارجها.

مع مرور الزمن، طور قوم تشين ميزتين عسكريتين رئيسيتين.. تعلموا ترويض الأحصنة مما دفعهم لتبني استراتيجية عسكرية جديدة، لأن في ذلك الزمان كانت تشن الحروب مجموعات صغيرة من النبلاء يذهبون الى القتال فوق عرباتهم الخشبية. الميزة الثانية تمثلت في تقنيات جديدة لتصنيع المعادن تسمح بإنتاج كميات كبيرة من الأسلحة وظهور نوع جديد من المقاتلين يعرف بالمشاة. كان ذلك الوقت الذي انتشر فيه استخدام الحديد مما سمح بتوفير الأسلحة لعدد كبير من هذه قوات.

مسلحون بهذا التقدم في المجال العسكري شن آل تشين هجومات لغزو كل الصين. لكن مع تقدمهم هذا أصبحوا يواجهون تحديا جديدا.. كيف يمكن انتاج ما يكفي من الغذاء وبسرعة لإطعام جيشهم المتنامي؟

أسندت هذه المهمة الى حاكم مقاطعة سيشوان ” لي بينغ ” أحد أكبر الاختصاصيين في تسيير الموارد المائية في ذلك الوقت. تحت قيادته استطاع العمال الصينيون انجاز تحفة هندسية حقيقية. كان نهر ” مين جيانغ ” ابتلاء على منطقة سيشوان فكانت ولمدة قرون يتعاقب الجفاف في فصل الشتاء فيضانات في الصيف. كان لي بينغ مصمم على دحر وترويض هذا النهر وتمثلت خطته في بناء مصعد يهدف الى توجيه مياه النهر والسيطرة على الفيضانات وكذا ري المحاصيل التي لا غنى عنها لدى السكان.

واجه حاكم سيشوان في البداية مشكلة وجود الجبل فقرر أن انحراف النهر سيخترقه. لكن في تلك الفترة لم تكن قد اخترعت المتفجرات وحفر الجبل بالمعاول البسيطة قد يستغرق عقود والخطط الاستراتيجية لعرش تشين تتطلب حلا أسرع. طور لي بينغ حلا جريئا وقرر حينها أن يترك قوى الطبيعة القيام بذلك، فوضع نظام لتسخين الصخور الجبلية بواسطة حرائق خاضعة للرقابة ويمكن التحكم فيها، ثم قام بتبريد الحجر بالماء فتسببت الصدمة الحرارية في تفجير الصخور الى قطع صغيرة يسهل حلها ونقلها.

بعد ثماني سنوات من بداية الأشغال اخترق الجبل وعبرته القناة. كان من الضروري بعدها بناء سد عملاق لتحويل مياه نهر مين جيانغ باتجاه القناة فتم جلب الآلاف من العمال الى الورشة والذين عملوا بجد مستعملين أدوات بدائية بسيطة.
النظام الذي ابتكره لي بينغ كان مثيرا للإعجاب، فهو يتكون من مجموعة مكنزمات متنقلة تنظم تدفق المياه حسب الموسم، في الصيف يتم تحويل المزيد من المياه نحو القناة مما يحد من خطر غرق ضفاف النهر وفي فصل الشتاء يقام بعملية عكسية من أجل تجنب الجفاف. سمح هذا الانجاز المبدع بري أجزاء كبيرة من آراضي عرش تشين.

أدى نمو المحاصيل بعدها الى انفجار ديمغرافي جعل المنطقة تتحول الى قاعدة انطلاق جديدة لمهاجمة المماليك الأخرى باستغلال الثروة التي أنتجتها الزراعة وقوة جيشهم لتوحيد الصين.

في عام 247 قبل الميلاد، وصل ملك جديد الى سدة الحكم في عرش تشين، عمره لا يتعدى ثلاث عشر عام و يسمى ” يانغ تشينغ “. لعبت في بداية الأمر والدته دور الملكة المربية. وصل الحاكم الشاب الى السلطة في قصر تكاثر فيه الأعداء المناورين وراء الكواليس ضده، وفي طليعة أولئك الذين يرغبون في موته والدته التي أصبح لديها عشيق وولدين آخران ترغب في رؤيتهم على العرش.

وهو في سن 22، اكتشف يانغ تشينغ نوايا والدته، فقام بنفيها وأعدم اخوته غير الأشقاء وعشيق الملكة – الأم. أصبحت بعدها سلطته مطلقة فتفرغ لمشروعه بإرسال جيشه لاستكمال توحيد الصين. المملكة الوحيدة التي كانت تقف في طريقه هي مملكة ” شو”.

في عام 238 قبل الميلاد شن آل تشين هجوما كاسحا ضد قوم شو. احتدم الصراع مدة 15 سنة، و في عام 223 قبل الميلاد استسلم آل شو.. آخر عقبة رئيسية للاستلاء على الصين لم يعد لها وجود.

جاء هذا التفوق بفضل قدرتهم على تنظيم جيشهم بأكثر كفاءة من ذي قبل، فتحققت أخيرا الإمبراطورية التي كان يحلم بها آل تشين وأصبحت الصين موحدة في مجملها ويانغ تشينغ امبراطور لها. احتاج حينها الى اسم يستحق هذا اللقب، للأجيال القادمة سيكون ببساطة ” شيهوانغدي “، أول امبراطور في تاريخ الصين العريق.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق