ميلاد إمبراطورية فارس ، جوهرة الشرق: ليس من السهل أن تكون كورش الكبير

بلاد فارس القديم، بلد فخور بميراثه الذي أثار الدهشة والاعجاب لمدة قرون.. كانت هذه الامبراطورية ذات الفتوحات التي لا تعرف حدود والثروات الغير متناهية تفتخر بهالة مقدسة بأسرارها.

لإنشاء أكبر امبراطورية في ذلك الزمان كان لابد من توفر مهارات عسكرية فريدة. شيدت هذه الحضارة التي اتسعت أطرافها من البحر البيض المتوسط الى آسيا من طرف رجال استثنائيين، ذو طموح وكلهم قوة. كورش هو من بين القلائل الذين يستحقون اسم ” الكبير ” على صفحات التاريخ الإنساني.
عرفت الإمبراطورية الفارسية منشآت كانت لا تصدق في زمانها، قصور فاخرة وسط الصحراء وطرق وجسور وقنوات.. لكن بعدما وصلت الى ذروتها تهاوت في عصور من الانحطاط. التنافس القديم مع اليونان الذي تبلور في صراع ملحمي غير مسار التاريخ و أعطى شكلا آخر للعالم لآلاف السنين بعدها.. في عام 330 قبل الميلاد غزى ملك مقدوني شاب الإمبراطورية الفارسية و دخل عاصمتها الرائعة برسبوليس (تخت جمشيد – في الفارسية)، ذلك الملك هو إسكندر الأكبر الذي كان مفتونا بالحكام الفرس وثقافتهم. بعد دخولهم المدينة احتفل عند الغسق اليونانيون بانتصارهم في مجون صاخب لتتحول لؤلؤة الإمبراطورية الفارسية وقصورها الرائعة في صباح اليوم الموالي الى رماد. لكن لاتزال بعد أكثر من 2500 سنة أعمدتها قائمة شاهدة على التطور المبهر الذي عرفته تلك الأرض.
في حوالي 4000 سنة قبل الميلاد، استقرت قبيلتان من البدو الرحل في الهضبة الإيرانية، الميديون في الشمال والفرس في الجنوب. كان همهم الوحيد في البداية من الطبيعي هو البحث عن كيفية العيش دون البحث عن التوسع. بعدما استقروا كان يجب عليهم تعلم زراعة هذه الأراضي ولكن من أجل ذلك وجب عليهم العثور على الماء لأنه دون نظام ري وجر المياه كان الفرس الأوائل قد سقطوا في غياهب نسيان التاريخ.
الشيء الذي كان خارق للعادة في تلك الفترة هو أن هذه المياه لم يجدونها في أنهار وبحيرات، بل استخرجت من قلب الصخور لتولد ربيعا في الصحراء.
ولدت بلاد فارس بعبقرية وقوة عزيمة أبناءها على أرض قاسية و غير مضيافة. جاب هؤلاء البدو الأراضي القاحلة للهضبة الإيرانية بحثا عن الماء بأدوات بدائية ليضعوا المعالم الأولى لإمبراطورية عظمى، فقاموا ببناء شبكة غير معتادة من القنوات (أو أفلاج) تحت الأرض مستغلين تضاريس البلد لجر المياه من أعالي جبال ألبرز. تقنيتهم تعتمد على حفر آبار عمودية ثم نفق أفقي متجه نحو المنبع ثم يحفر بئر تلوى الآخر مع توسيع تصاعدي للنفق، رغم أن المياه تكون في بعض الأحيان بعيدة بثلاثين أو أربعين كيلومتر. كان يستوجب الكثير من الدراية كي يستطيع النفق اتباع منحدر المياه من أعالي الجبال. ميل القناة تحت الأرض أمر بالغ الأهمية حيث يجب أن لا يكون حادا جدا كي لا يتآكل سطح سرير القناة تحت الأرض و لا مسطح كثيرا ليسهل سريان تدفق المياه.. قبل 2000 سنة من قنوات روما القديمة الشهيرة جلب الفرس المياه على مسافات طويلة وفي مناطق حارة وجافة مع حد أدنى من التسريبات وتبخر للمياه.
بمأن الماء هو الحياة اقتربت القبائل الأخرى المجاورة من الفرس للاستفادة من تلك التقنيات وفي حوالي 700 قبل الميلاد اتحدت في مجملها حول العشيرة الأخمينية الأسطورية والتي عرفت سلالتها قمة مجدها تحت حكم كورش الكبير.
أنشأ وطور كورش امبراطورية بفضل مواهبه كاستراتيجي ومؤهلاته كسياسي، كان قائدا بارعا وملكا خيرا. اذا قال المؤرخون في وصفه أنه كان ” انساني ” فاليهود ذهبوا أبعد من ذلك باعتباره ” مسيحا “. كان رعاياه ينادونه ” الأب ” وحتى الاغريق من الجزر الأيونية التي غزاها وجدوا فيه الملك ” العادل والمستنير”.

عظمته في سماته..

في عام 550 قبل الميلاد أسس كورش الكبير الامبراطورية الفارسية، انها البداية للسلالة الأخمينية التي ستغير مجرى التاريخ وتترك للعالم تحف معمارية خالدة. من بين الشخصيات التي تركت بصماته في التاريخ الإنساني يمكن القول بأن كورش يستحق من بين القلائل اسم ” الأكبر “.. كانت تلك إمبراطورية الأوسع في العصور القديمة.
كان كورش في عام 554 قبل الميلاد قد تخلص من كل منافسيه وأصبح سيد بلاد فارس دون منازع فأراد لامبراطوريته عاصمة رائعة بروعة حجمها المتنامي. وفي عام 550 قبل الميلاد بدأ في مشروع بناء مدينته الكبيرة ” باسارغاد”.
كورش مشيد من نوع جديد، يرى الأشياء في عظمتها، فنجد في مشارعه المعمارية تقنيات اقترضها من شعوب كان قد غزاها فيقوم باستعارة أفضل أفكار الشعوب ويقوم الفرس بتطويرها بعدها على طريقتهم الخاصة.
في باسارغاد يشعر المرء بتأثير ثقافات بلدان بعيدة مثل سوريا ومصر أو مدن آسيا الصغرى التي توجد على بعد آلاف الكيلومترات. كان هناك نحات الحجارة والنجارين ورسامي النقوش يأتون من كل أنحاء الإمبراطورية. اليوم وبعد مرور 2500 سنة لم تبقى سوى آثار ما كانت يوما عاصمة مشعة على عالم ذلك الزمان والأولى في بلاد فارس، قصور استثنائية تحيط بها حدائق ومنتزهات التي كانت مفخرة المدينة، من هنا ظهر مصطلح ” بيريديسا ” والتي تعني الجنة و كان في ذلك العصر يعني بكل بساطة ” حديقة فارسية “، بمخططاتها الهندسية المميزة مزينة بقنوات مياه طولها مئة متر مصنوعة من الحجر الكلسي تربط أحواض صغيرة كل 15 متر. ألهمت جنات وحدائق باساغراد العديد من الملوك في جميع أنحاء العالم خلال الألفي سنة التي تلت. كانت ” البريديسا ” منفردة في تخطيطها الهندسي بمساحاتها المربعة والمستطيلة التي أضيفت لها هضبات مليئة بكل أنواع الورود والنباتات، كانت تحمل بالفعل مفهوم الحديقة الحديثة في عصرنا.
بينما هو يبني في باساغراد لم يتوقف كورش عن توسيع الإمبراطورية، فتوالت الفتوحات وهنا يبرز هذا الملك عن باقي الملوك، فهو يرفض استعباد رعاياه الجدد فكانت فكرة “ثورية ” في تلك العصور، حيث كان يعترف للمعتقدات المحلية بحقها في الوجود ويسمح لها بالاستمرار.
في عام 539 قبل الميلاد فتح كورش بابل الشهيرة ولكنه رفض أن يدخلها كغازي بل كمحرر لشعبها من الاستبداد، أبعد من ذلك قام بعمل غير مسبوق حيث حرر اليهود من سبي البابليون والذين كانوا محتجزين منذ سقوط أورشليم (القدس) على يد الملك البابلي ” نبوخذ نصر الثاني”.
قد يمكن القول مع مرور الزمن ومن الجانب التحليلي الاستراتيجي أنه كان يريد بذلك السلوك خلق دولة تكون بمثابة خط تماس بين الإمبراطورية الفارسية و مصر المعادية.. رغم ذلك يبقى أنه ولا أحد قام بمثل ذلك، ولا بعده، مما جعله الوحيد (من غير اليهود) بشمائله يوصف في كتب ” العهد القديم ” بالمسيح.. حتى عند المسلمين ذهبت بعض التفسيرات الى أنه “ذو القرنين” الذي ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة الكهف، (رغم أن بعض التفسيرات الأخرى رجحت أن ذو القرنين هو إسكندر الأكبر).
لكن قبل أن يتمكن من اكمال احدى غاراته مات كورش الكبير في ساحة المعركة، حسب بعض المصادر، شرق بحر قزوين ضد ” تومريس ” ملكة شعب ” ميسيجات ” في عام 530 قبل الميلاد.
يقول مجمل المؤرخون أن كورش لم يعش بما فيه الكفاية لإظهار قيمته الكاملة، شبه الى حد ما بيوليوس قيصر الذي اغتيل مبكرا قبل أن يوحد امبراطوريته (روما).
ترك كورش عند وفاته ثلاث عواصم أخرى للإمبراطورية الفارسية – بابل و شوشان (أو سوسة) واكباتان – لكنه فضل أن يدفن في باسارغاد المدينة التي شيدها.. قبره يشبه سماته، منعدم التباهي بالنسبة لملك بمجده، فهو على صورته بسيط وأنيق يدل على تواضع الرجل (أنظر الصورة أسفل).. صمم معماريو كورش عملا راقيا في أحجام الأحجار المستعملة حيث وضعوا شرفة من الألواح الحجرية مستطيلة ركبوا سلالم لإنشاء ضريح يبلغ ارتفاعه 15 متر، ضريح بسيط ومتواضع لرجل كبير أنشا امبراطورية عظيمة في زمانه و رغم مرور خمس وعشرون قرن لا يزال يحافظ على جودة شكله.
لم تكن لمدة ثلاثين سنة أي قوة قادرة على مقاومة كورش الكبير ولكن بعدما أصبح عرشه شاغرا اندلعت معركة خلافة شرسة على السلطة دفعت بإمبراطورته الى الفوضى الشاملة..
ليس من السهل أن يكون كورش الكبير كل من أراد..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق