نشأة عمارة أهرام مصر: فرعون ” زوسر” والوزير ” امحتب”

في مصر عام 2667 قبل الميلاد، توج الملك الجديد ” زوسر ” الحاكم الثاني من السلالة الثالثة. سوف يصنع لنفسه سمعة الحكم الراشد والسلطة الحكيمة في منظور ذلك الزمان. بعد ألفي سنة من وفاته يقال إنه بقي نموذجا لفراعنة مصر الذين أتوا بعده فحاولوا في جملتهم مواكبة إنجازاته. لقد تمتع زوسر بشعبية كبيرة لدرجة أن رعاياه لم يعتبروه مجرد بشر فأصبح أول الفراعنة الذي رفع الى منزلة الاهية.

مباشرة بعد وصوله الى السلطة باشر زوسر في تحضير منزل مثواه الأخير حيث أمر على الفور ببناء مجمعه الذي سيضم قبره الذي سيلعب دورا حاسما في حياته الأبدية. الفكرة لم تكن جديدة، انها كانت قديمة منذ عصور حيث اعتاد ملوك مصر بناء القبور الضخمة، لكن هذه المرة تقنية البناء أحدثت ثورة بالنسبة لذلك الزمان.

يمتاز المجمع الجنائزي لزوسر بأبعاده الكبيرة عن المعتاد وكذلك وبصفة خاصة بنوعية المواد المستعملة في البناء حيث حل الحجر محل الطوب. لبناء قبر أحلامه من الصخور الحجرية اعتمد زوسر على ذراعه الأيمن، رجل من أصول متواضعة يسمى ” امحتب “، كبير مهندسي الملك والذي كان في نفس الوقت يشغل مهام أمين الخزينة وكبير الكهنة ووزير، ما يمكن تشبيهه بمنصب الوزير الأول حاليا. لكن ما جعله يدخل التاريخ هو الابداع في تشييده لمركب زوسر الجنائزي.

الثورة المعمارية التي أنجزها امحتب ستتوج ببناء أول هرم في تاريخ الإنسانية. انجز المشروع على عدة مراحل.. في البداية خطط ببساطة لبناء أكبر وأضخم مصطبة والخطوة الأولى تمثلت في اختيار موقع المقبرة. اختار زوسر موقع ” سقارة ” الذي كان مخصص للمقابر المقدسة التي يعود تاريخها الى زمن فرعون ” ماني ” (مينا) والموجودة على الضفة الغربية لنهر النيل على بعد بضعة كيلومترات من عاصمة الفراعنة ” منف ” (أو ممفيس).

حالما تم اختيار الموقع بدأ تشكيل فرق البناة. أجور المجندين كانت تدفع على شكل طعام وشراب وملابس كما يتم اعفائهم من الضرائب. قسمت هذه اليد العاملة الى فرق تضم كل واحدة حوالي عشرين عاملا وبوجود خمسة مئة فرقة بلغ مجموع عمال المشروع حوالي 10000 رجل يعملون في ورشة سقارة. ضمت الورشة كذلك آلاف النساء يسهرن على راحة العمال بتوفير المأكل والملبس الجيد لهم.

بعد جمعه لقوته العاملة شرع امحتب في تشييد أول بناء حجري ضخم في التاريخ. فوجب أولا حفر بئر عرضه سبعة أمتار وعمقه 28 مترا لإيواء التابوت الملكي ثم قام العمال بحفر ممر ثاني توضع به جثة فرعون. ترتبط غرفة الدفن بسلسلة من الغرف تحت الأرض تشكل قصر فرعون في الحياة الأخرى. وعلى بعد 300 مترا نحو الجنوب تم حفر مركب جنائزي ثاني في الصخور. مثله مثل جميع الفراعنة بنى زوسر قبرين يشغل كل منهما وضيفة روحية هامة، الأول سيكون مأوى لجثته المحنطة والثاني لأحشائه التي يتم تحنيطها كذلك لتوضع في أواني ” كانوبية”.

دفنت جثة زوسر المحنطة في متاهة من الأنفاق تحت الأرض تحت هرمه في سقارة. هناك حوالي 6 كيلومترات من الممرات السرية المحذورة اليوم على السواح والزوار لخطورة انهيار السقوف. الفائدة من كل هذه الممرات يبقى لغزا. يرى البعض أنها تستخدم لردع أو تضليل لصوص القبور وربما تم حفر البعض منها من قبل اللصوص أنفسهم. وبمأنه لا يمكن المغامرة بداخلها فلا يمكن أن يعرف ان كان الممر هو سري أم يؤدي الى درج من أدراج المركب، لأنه من السهل على المرء أن يضيع في هذه المتاهة. حسب علماء الآثار فانه من المحتمل أن يكون مركب زوسر هو أول مبنى حجري على سطح الكرة الأرضية.

في الحقيقة الهرم ما هو سوى الجزء الظاهر من اجمال المجمع الهائل لأن القصر الحقيقي لفرعون يوجد تحت الأرض، انها الصورة لملك قوي جلب خدمات المهندسين المهرة في مصر تلك الحقبة.

ميلاد صناعة منجمية

في حوالي عام 2659 قبل الميلاد وقبل قرون من بناء ميغيليت “ستونهنج ” بإنجلترا بنى المصريون أول هيكل معماري من الحجر وكان العقل المدبر للمشروع العملاق امحتب مهندس زوسر.

بالقرب من سقارة هناك جرف من الحجر الجيري ومن هنا مهد آلاف العمال المصريون الطريق لصناعة ناشئة وهي استخراج الحجر حيث أتقنوا طريقة استخراجه وقطعه ونقل الصخور الضخمة.

تمثلت الصعوبة الأولى في استخراج الصفائح الحجرية المتناظرة من الجرف وبمجرد انتزاع الصخور كان يجب نقلها الى موقع الورشة على أرض صحراوية وعرة باستخدام الحبال والزلاجات البسيطة بجهد عظيم.

بما أن بناء مركبه كان يسير على وتيرة جيدة كان على زوسر أن يكرس جهده لتوسيع امبراطوريته، فقام بتطوير صناعة حقيقية في استغلال المناجم في شبه جزيرة سيناء وضمن بالتالي للبلد موارد ثابتة من النحاس والفيروز. موازاة مع ذلك دفع الحدود الإقليمية لمصر حتى أسوان، موقع الشلال الأول لنهر النيل والذي سيمثل الحدود الجنوبية للبلاد خلال معظم تاريخها.
بعد عشر سنوات من الحكم لم يفقد زوسر شيئا من حيويته. يتطلب التقليد المصري القديم أن يستمر انشاء قبر فرعون حتى وفاته وكان بإمكان امحتب أن يكمل المجمع الجنائزي وبعيون ثابتة نحو السماء قام بسلسلة من التمديدات التي ستحدث ثورة معمارية.

في الجزء العلوي من المصطبة بنى أخرى أصغر حجم من الأولى ثم ثالثة فرابعة مكدسة فوق بغضها البعض وكأنها قطعة حلوى. وعندما اطمأن على صلابة المبنى قرر توسيع الطوابق الأربع غربا بإضافة اثنين آخرين الى الأعلى. أخذ ضريح زوسر يبرز شيئا فشيئا ليخذ شكلا لم يراه المصريون من قبل.. يسمى هذا الهيكل المعماري الفريد في زمنه ” الهرم المدرج “. فبدى الأمر كما لو أنه من خلال هذا الشكل المبتكر خطط امحتب لوضع أسس لمسار التطور المعماري الذي نجح في الانتقال من التلال البسيطة التي كانت موجودة من قبل الى المباني الضخمة التي كانت اشعارا للأهرام التي أتت فيما بعد.

بعد عقدين من العمل يقف هرم زوسر على ارتفاع 60 مترا تقريبا وامتدت حوله ورشة بناء كبيرة ستحدث ثورة في عمارة المنشئات الجنائزية في المملكة. في شمال الموقع تم انشاء قصر صغير وبجانبه منزلان يمثلان مصر العليا والسفلى. غطت هذه المقبرة الكبيرة أكثر من 15 هكتارا وأحيطت بجدار من الحجر الجيري يبلغ ارتفاعه عشرة أمتار.

اليوم، كما في ذلك الزمن، فان المدخل الوحيد للمقبرة هو رواق مدخل المجمع المكون من الأعمدة الحجرية الأربعين وكل عمود مقياسه عشرة أمتار. يشهد الهيكل المحيط بها حسب المختصين على بعض شوائب والتخوفات المعمارية لتلك المرحلة حيث خوفا من انهيار الأعمدة فضل امحتب دمجها مع جدار جانبي لتعزيز قاعدتها.

توفي زوسر في عام 2648 قبل الميلاد وقد تميزت سنوات حكمه التسعة عشر بإبداعات معمارية كبيرة زادت من شهرته حيث عندما انتشر خبر وفاته ركضت الحشود من جميع أنحاء مصر لتوديع ملكهم.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق