نيكولو مكيافيلي: فيلسوف أم عراب الشر..

كان نيكولو مكيافيلي، الذي ولد في 3 ماي 1469 في فلورنسا (ايطاليا)، فيلسوف سياسي من عصر النهضة و رجل دولة اشتهر خاصة بأنه مؤلف كتاب “الأمير” و هو العمل الذي جلب له سمعة باعتباره ملحد و متهكم و متشائم غير أخلاقي.. و كأنه معلم الشر.

كانت عائلة مكيافيلي منذ القرن الثالث عشر ثرية و بارزة و تشغل أحيانا أهم المناصب في فلورنسا، غير أن والده “برناردو”، رجل قانون ، كان واحد من أفقر أفراد الأسرة. يقال أن برناردو احتفظ بمكتبته الثرية و قد يكون نيكولو قد قرأ منها الكثير. لا يعرف سوى القليل عن تعليم نيكولو و بداياته في فلورنسا التي كانت في ذلك الوقت مركزا مزدهرا للفلسفة و منارة رائدة للفنون. في رسالة بعث بها إلى صديق له عام 1498 كتب مكيافيلي أثناء متابعته نشاط “جيرولامو سافونارولا” و هو رجل دين دومينيكي انتقل الى فلورنسا في عام 1482 و في سنوات 1490 جلب العديد من المؤيدين من أوساط الشعب باتهاماته ضد الحكومة و رجال الدين و البابا. سافونارولا الذي حكم فعليا في فلورنسا لعدة سنوات بعد 1494 قدمه مكيافيلي في كتاباته على أنه مثل “نبي غير مسلح” و يجب أن يفشل حتما.. في 24 ماي 1498 يتم شنق سافونارولا  كزنديق و يحرق جسده في الساحة العامة.

بعد بضعة أيام من ذلك الحدث يخرج نيكولو مكيافيلي من الظل في سن 29 ليتولى رئاسة المستشارية الثانية (كانسيليرية) و هو المنصب الذي جعل منه مسئولا على الشؤون الخارجية للجمهورية في المناطق الخاضعة لها. شغل هذه الوظيفة حتى عام 1512 و تحصل على ثقة ” بييرو سودريني” ، قاضي قضاة فلورونسا منذ 1502. في عام 1512 تسقط جمهورية فلورنسا و يطيح الجيش الاسباني بحكومة سودريني الذي جنده “يوليوس الثاني” في عصبة مقدسة. فتعود عائلة “ميديتشي” لحكم فلورنسا و يتم سجن و تعذيب ماكيافيلي المتشبه به في التآمر و يرسل إلى المنفى عام 1513 في مزرعة والده في “سان كاسيانو” جنوب فلورنسا. كتب نيكولو مكيافيلي في منفاه عملين رئيسيين له : ” الأمير” و ” خطاب حول تيتوس ليفيوس”، اللذان نشرا بعد وفاته.

تم توظيفه لأول مرة في تلك الحقبة عام 1520 من قبل الكاردينال ” جوليو دي ميديتشي” لحل قضية افلاس و انتهز الفرصة لوضع خطة للحكومة و ألف ” حياة كاستروتشيو” (1520). في وقت لاحق من ذلك العام وافق الكاردينال على انتخاب مكيافيلي مؤرخا للجمهورية و تم تعيينه في شهر نوفمبر. في أفريل من السنة الموالية يعين مستشار مشرف على تحصينات فلورنسا. في ذلك الوقت كان الكاردينال جوليو قد أصبح “البابا كليمنت السابع”. شكل البابا عصبة مقدسة في “كونياك” لمواجهة الإمبراطور الروماني ” القديس شارل الخامس”. و ذهب مكيافيلي مع الجيش للالتحاق بصديقه ” فرانشيسكو جيسكارديني” ملازم البابا و الذي بقى لجواره حتى تحطيم روما من طرف قوات الإمبراطور الذي أنهى الحرب في ماي 1527.

بعد أن تخلت فلورونسا على آل ميديتشي كان مكيافيلي يأمل في العودة إلى منصبه السابق في المستشارية، لكن النعم القليلة التي منحت له من طرف آل ميديتشي جعلت من أنصار الجمهورية الحرة ينظرون اليه بشكوك.. مرفوض و منبوذ يلحق به المرض و يتوفى في أقل من شهر بعد أن لازم الفراش.

فلسفة “الأمير”

الرؤية و المنطلق الأول و الأكثر رواجا لصورة ميكيافيلي هي أنه عراب أو ” معلم الشر”. يقول المؤرخون أن الأمير في تقليد “مرآة الأمراء” – أي كتب النصائح و المشورة التي تسمح و تمكن الأمراء من رؤية أنفسهم كما تنعكس المرآة – بدأت مع المؤرخ اليوناني ” كسينوفون” من خلال عمله السياسي الفلسفي ” ألكيروبيديا” (431 – 350 قبل الميلاد) و استمرت حتى العصور الوسطى. قبل مكيافيلي نصحت الأعمال من هذا النوع الأمراء بتبني صورة “أفضل أمير” كنموذج، لكن نسخة مكيافيلي توصي بأن يذهب الأمير نحو (الحقيقة الفعلية) للأشياء و يتخلى عن معيار (ما يجب أن يكون) لئلا يدمر. للحفاظ على نفسه يجب على الأمير، من منظور مكيافيلي، أن يتعلم ألا يكون طيبا و أن يستخدم هذه المعرفة “حسب الضرورة”. يعلق تفسير آخر على لجوء مكيافيلي المتكرر إلى الضرورة لتبرير الأفعال التي قد يتم إدانتها على أنها ” غير أخلاقية”.

يقسم مكيافيلي الإمارة إلى (المكتسبة) و (الموروثة). بشكل عام هو يرى أنه كلما كانت هناك صعوبة في السيطرة على مقاليد الدولة كلما سهل البقاء في سدة الحكم.. السبب هو أن (الخوف) من أمير جديد أقوى من (حب) أمير وريث لذلك سينجح الأمير الجديد الذي يعتمد على خوفه من العقاب و الذي لا يتركه أبدا أما الأمير الذي يتوقع من رعاياه أن يحافظوا على وعودهم بالدعم الدائم سيصاب بخيبة أمل.

من جهة أخرى ، يعتمد الأمير الجديد على فضيلته الخاصة التي تمكنه من اكتساب سلطة الدولة  في منطق جديد يختلف عن الفضيلة التي ينادي بها الكتاب المقدس “العهد الجديد” التي تسعى إلى السلام.

مفهوم الفضيل لدى مكيافيلي تلزم الأمير بأن يكون منشغلا قبل كل شيء بفنون الحرب و أن يسعى ليس فقط إلى الأمن و السلم بل أيضا إلى “المجد”، لأن هذا الأخير مدرج في الضرورة. الفضيلة عنده ليست لنفسها بل للسمعة التي تسمح للأمير بالحصول عليها، فهي تهدف إلى الحد من قوة الثروة على شؤون البشرية لأن الثروة وحدها تمنع الرجال من الاعتماد على أنفسهم. في البداية يعترف مكيافيلي بأن الثروة تحكم نصف حياة الرجال و لكن بعد ذلك و في مجاز مشين يقارن الثروة بامرأة تسمح لنفسها بمغازلة و الحصول على المزيد من الرجال الشباب.. فيمكن للأمير الذي يمتلك فضيلة الإتقان أن يتحكم في الثروة و بالتالي في الرجال بشكل متميز.

في الفصل الأخير من كتاب “الأمير” كتب نيكولو مكيافيلي شغفا و ولعا في استرجاع و الاستيلاء على ايطاليا و تحريرها من ” البرابرة” – على ما يبدو فرنسا و اسبانيا – اللتان غزت شبه الجزيرة المشتتة. ينادي إلى (مخلص) يقوم بنجدة موطنه موضحا المعجزات التي حدثت عندما قاد النبي موسى اليهود إلى (أرض الميعاد) و ينتهي باقتباس مقولة كتبها “فرانشيسكو بيتراركا” تمجد الوطنية. هذا الفصل قاد الكثيرين إلى تفسير أن مكيافيلي لم يكن سوى فيلسوف و إنسان وطني بدلا من مفكر غير مهتم و لا يبالي بما حوله..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق