هيمنت لقرون على البحر الأبيض المتوسط: ميلاد وازدهار قرطاج

 

 أرض “الميعاد “، أسست قرطاج منذ أكثر من 2000 سنة. في تعطشهم للثروة والسلطة والطموح اللامتناهي أنشأ القرطاجيون امبراطورية وسعت نفوذها في البحر المتوسط لمدة فاقت 600 عام.

صمموا تقنيات متقدمة في العصر القديم في موطنهم وفي كل أرجاء العالم المعروف حينذاك.. أكبر ابداعاتهم كان تشييد مناء ضخم ترسوا به أكثر من مئة سفينة حربية، طليعة أكبر أسطول بحري في ذلك الزمان. بعدها تراكمت غيوم داكنة في الأفق وتصادمت قرطاج مع منافس يعادل قوتها، قوة لم يعرفها العالم من قبل.. روما. كان الرومان يرون في قرطاج خطر دائم ومن هذا النزاع حتى الموت لن يخرج منه سوى فائز واحد والمهزوم يحول الى رماد.

من سفك للدماء ومجازر مضافة لإبداعات تقنية وبطولات أسطورية تخللت هذه المواجهة بين قوتان عظمتان، روما وقرطاج، حيث كان صراع دون رحمة غيرت نهايته تاريخ العالم الغربي.

كانت قرطاج تهيمن في القرن الرابع قبل الميلاد على حوض البحر الأبيض المتوسط بأسطولها الرهيب. لكن الأسطورة بدأت في مدينة صور (في لبنان حاليا)،وفي تلك المدينة الفينيقية الغيرة واللهفة والتكالب على السلطة دمروا عائلة ملكية راحت ضحيتها الأميرة أليسا (أوعليسة).

كانت أليسا بنت للملك الفينيقي بيلوس وكانت متزوجة من خالها أغرباس الذي قتله شقيقها بيغماليون. خوفا على حياتها فرت الأميرة من صور وقطعت البحر المتوسط وشدت الرحال الى منطقة في الشمال الافريقي (تونس حاليا). هناك أبرمت صفقة مع الأهالي كي تشتري قطعة أرض بمقدار ما يمكن لجلد ثور أن يغطيها. تقول الأسطورة بأن أليسا قامت بعدها بقص جلد الثور الى سيور واستطاعت بذلك أن تتحصل على أرض واسعة نوعا ما فأنشأت بها المدينة الجديدة.

يقال كذلك أن أخبار ثراء أليسا وصلت لمسامع يارباس ملك الجيتول الذي ضغط عليها كي تتزوجه. لكن الأميرة الفينيقية رفضت ذلك و فظلت أن تقتل نفسها حرقا.. وعلى رماد أليسا ولدت امبراطورية لم يعرف العالم مثيل لها من قبل.

لصغر أرضهم ولأنهم محاطون بجيران أقوياء اتجه فينيقيو قرطاج نحو البحر وكانوا مبدعين ومتفتحين على الأفكار الجديدة. ومع توسع الطرقات التجارية تطورت المدينة الحديثة النشأة لتصبح مدينة عالمية.

قرنان بعد ذلك أصبحت قرطاج قوة كبيرة في البحر المتوسط فشيدوا مستعمرات في جزيرة كورسيكاوابيزا وشمال افريقيا. في أعوام 700 الى 650 قبل الميلاد كانت هذه القوة العسكرية والتجارية يحسب لها ألف حساب ولا تتجرأ أي قوة أخرى الاحتكاك بها.
بفضل الشبكات التجارية أصبحت الأراضي الجديدة تجلب أرباحا طائلة لقرطاج ووصل عدد سكانها حينها 300 ألف نسمة جعلوا منها احدى أكبر المدن العالمية، كانت مثل نيويورك حاليا (اذا صحت المقارنة) بتعداد سكانها في محيط صغير نسبيا، كما كانت القاعدة التجارية و الثقافية لشمال افريقيا وغرب البحر المتوسط.

إذا كانت الابداعات التقنية في البناء قد شيدت من قبل تقربا من الآلهة كما حصل في مصر القادمة، فان هدف قرطاج كان أكثر واقعية، فثراءها جلب العديد من الناس اليها بحثا عن المال وسرعان ما تحتم على الهندسيين والمعماريين البحث عن الحلول لإسكان كل هؤلاء الوافدين على المدينة. نتج عن هذا التحدي أكبر توسع عمراني في العهد القديم وأصبح تصميم المباني لاحتواء كل السكان الأولوية لقرطاج.

القرطاجيون هم الأوائل الذين حولوا السماء الى ملكيات خاصة وذلك ببناء عمارات كانت تصل أحيانا الى ستة طوابق.. ولبناء مدينة تقاوم الزمن كان لابد من مواد بناء صلبة فوجد الحل قرب خليج تونس حيث هناك محاجر لحجر كلسي سهل الاستخراج ويمكن العمل به. يقول علماء الآثار أنه استعملت في قرطاج نفس التقنية التي أخذ بها المصريون القدماء في بناء الأهرام، حيث كانت تستخرج وتملس الصخور بوسائل بسيطة والمتمثلة في الماء والخشب حيث يبلل هذا الأخير داخل الصخرة وعندما ينتفخ يفجر الحجر كي يستخرج بمقاييس جد دقيقة.

للعيش كانت المدينة تحتاج لمجاري مائية حيث صممت صهاريج من الحجر تفرش عليها طبقة من قشر البيض ممزوجة بالرماد والطين. كان لكل بيت الحق في استعمال تلك الصهاريج بواسطة شبكة قنوات فكان لكل سكان قرطاج بيوت حمام بأتم معنى الكلمة قبل الرومان بسنوات. يعرف عند المؤرخين أن السباكة الصحية وجدت من قبل وفي حوالى 600 سنة قبل الميلاد كان للمدينة نظام تسيير المياه متقن وكانت تتواجد بها معابد رائعة وقصور متألقة ومساكن بعدة طوابق..

بينما كانت شعلة قرطاج تنير البحر المتوسط انطفأت المدن الفينيقية الأخرى مثل ما حدث لصور التي سقط في أيدي البابليين في عام 574 قبل الميلاد. أصبحت قرطاج بمفردها، فانصرف سكانها لرحلات بعيدة عن الأراضي الافريقية ليوسعوا نفوذ الإمبراطورية بغزوهم البحار..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق