وراء المحيط الأطلسي: نازكا  و حضارات أمريكا الجنوبية

 في مرحلة دامت ما يقرب عن ثمانية قرون، بين مأتي سنة قبل الميلاد و ستة مئة بعد الميلاد، عاش شعب بدائي في أمريكا الجنوبية كان يعبد آلهته ليحتمي من الهلاك.

العديد من الأشكال و الرسومات ( المعروفة عالميا) أنجزها شعب ” نازكا ” في القرن الخامس و السادس للميلاد، كانت تلك هي الحضارة القديمة لجنوب البيرو حاليا. هذه الجيوغليف أو كما تعرف بخطوط نازكا، تمثل حيوانات و حشرات، تتعدى من حيث المساحة ميدان لكرة القدم و البعض منها يصل طوله عدة كيلومترات و للتمكن من رأيتها يجب الصعود عن مستوى الأرض.
الطيارون الأوائل الذين قاموا بطواف فوق تلك الأشكال خلال ثلاثينات القرن الماضي فكروا أنها مواقع طقوس دينية، الرسومات تكون رسائل موجهة إلى الآلهة التي تسكن السموات. كان شعب نازكا يبجل ويكرم آلهته و لكي يسترضيهم يقوم بتضحيات بشرية. يقول الخبراء بأن نازكا كانوا يهدون تلك الأرواح للآلهة كي ترزقهم بخصبة الأراضي و تحميهم من الكوارث الطبيعية.

في تلك الأراضي النائية شيدت مدينة مقدسة و هي ” كاهواشي” التي تحتوي على معبد يشمل العديد من المنصات و الهضبات يعلوها هرم كبير يبلغ علوه عشرون مترا، انه مقر السلطات الدينية لنازكا. يتم تعيين الكاهن منذ ولادته فيقومون بتغيير شكل جمجمة المولود الجديد ( الكاهن مستقبلا) بواسطة ضمادات و لوحات خشبية و تبقى الضمادات مشدودة بقوة لمدة سنة كاملة حتى تصبح الجمجمة ممدودة إلى الأمام.

كانت كذلك الرؤوس البشرية تهدى للآلهة حيث تقدم رؤوس الأعداء كقرابين و إشارة لنصرهم ثم يتم دفنها. بهذه الوسائل و الطرق كان شعب نازكا يريد التحكم في قوة الطبيعة.

كان الفلاحون ينشطون في زراعة مكثفة و ذلك بواسطة نظام ري محكم و ساعدهم على العيش وجود شجرة معروفة في المنطقة مقاومة للمناخ الصحراوي و هي شجرة ” وارنغو ” التي كانت توفر لهم الحطب للتدفئة و البنايات.

مع التطور الديمغرافي و ازدياد الحاجة للغذاء قام شعب نازكا باقتلاع العديد من تلك الأشجار ليتحصل على أراضي و إضافية و أوسع للزراعة. لكن تلك الأشجار التي تتميز بطول عمر متميز كانت قطعة و حلقة هامة في توازن النظام البيئي للمنطقة لأن جذورها هي التي كانت تؤمن استقرار الأرض و تمنع انجراف التربة. اختفاء أشجار وارنغو مع الوقت أدى في الأخير إلى اضطراب تام للمحيط. ففي عام خمسة مئة و ستة و ثلاثون من الميلاد وجد الكهنة أنفسهم أمام امتحان حاد، ففي تلك السنة جاءت ليال من الغبار نتيجة لثوران بركاني حدث تحت المناطق المدارية فغطت الشمس لمدة طويلة. نتج عن هذا الحدث انقلابات في النظام المناخي عرف خلاله جنوب البيرو مرحلة من الجفاف تبعته أمطار طوفانية. تحت هذه الأمطار و أمام انعدام جذور الأشجار التي كانت تحمي و تثبت التربة انجرفت هذه الأخيرة بصورة كارثية. جاءت بعدها مرحلة أخرى من الجفاف ختمت مصير نازكا عندما احترقت المحاصيل و هي لازالت على الأرض.

فشل الكهنة و الآلهة في حماية شعب نازكا، فعالمهم لم يعد سوى صحراء من الصخور..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق