وينهض التنين الأكبر من سباته: الصين تقلب موازين القوى العالمية

 

من البديهي أن نغامر بالقول أن المنافسة بين القوتين، الأمريكية والسوفياتية قد بدأت حتى قبل نهاية الحرب العالمية الثانية وذلك انطلاقا من وتيرة تقدم قوات البلدين المتسارعة على التراب الألماني. مع نهاية النزاع وجد الولايات المتحدة، رغم ذلك، نفسها في أحسن رواق للاستفادة أكثر من أرباح وعائدات السلم العالمي. نتجت تلك الوضعية لكون بلد روزفلت وترومان كان بعيدا عن ميدان المعركة ومدنه ومنشآته القاعدية لم تشهد دمار الحرب.


نهاية الحرب بالنسبة للمواطن الأمريكي في تلك الحقبة هي مناسبة للبداية الحقيقية لعهد جديد، عهد الوفرة والرخاء وأصبح كل شيء ممكن بمأن أمريكا في مقدمة السباق.

رغم أن الاتحاد السوفياتي استطاع في عام 1961 ارسال أول انسان خارج الفضاء، لكن ثماني سنوات بعد ذلك وبفضل رحلة ” أبولو 11 ” وضع رجلان اقدامهما على سطح القمر.. انهما أمريكيان.

بعد حوالي خمس قرون من اكتشاف العالم الجديد من طرف كريستوفر كلومبوس أصبح نيل أرمسترونج وبوز ألدرين يمثلان جنس جديد من المستكشفين.. وكانت الإنسانية بإمكانها تصور أحلام لفتوحات تتعدى حدود كوكبها. انطلقت في تلك الفترة القوتين العظميين في سباق رهيب نحو التسلح وأصبح العالم باستمرار على حافة الهوة.
للتذكير، فمنذ عام 1949 والاتحاد السوفياتي يمتلك القنبلة النووية وكان يسمى ذلك الوضع ” توازن الرعب “، وبالعنوان العريض.. الحرب الباردة.

خلال خمسينات القرن العشرين وفي قارة آسيا بالذات بدأت قوة أخرى تنهض من سباتها. استطاع الحزب الشيوعي الصيني في عام 1949 أن يستولي على السلطة وأعلن حينها قائده ماو تسي تونغ قيام الجمهورية الشعبية الصينية. في سنة 1958 باشر ماو سياسته الاقتصادية التي سماها ” القفزة العظيمة للأمام ” والتي كانت نتائجها الكارثية، حسب بعض المصادر، هلاك ما يقرب 30 مليون صيني.

عندما شعر ماو بعدها أنه قد يزاح من الحكم عاد ليأخذ المبادرة وذلك بإثارة الطلاب.. لكن عدد من المسؤولين في القيادة الصينية لم يشاركوه سياسته الجديدة هذه حيث قدم في عام 1961 دينغ شياوبينغ طرح جديد مفاده أن النمو الاقتصادي هو أهم من الخطابات النظرية الشيوعية للاقتصاد الجماعي. كان ذلك كلام خطير في الظروف التي كانت تعيشها البلاد.

ابتداء من سنة 1966 ترك ماو المدن الصينية تعيش تحت رعب و عنف ” الحرس الأحمر ” الطلابي المتعصب الذين كانوا يطاردون جميع المعارضين المتهمون بدعم الرأسمالية.. انها ” الثورة الثقافية”.

كان بإمكان دينغ شياوبينغ أن يكون أحد أقوى رجال السياسة في الصين لكنه في تلك الفترة كان أول ضحايا عمليات التطهير التي انطلقت في الحياة السياسية للبلاد.

عندما انفرد ماو بسلطة القرار فرض ما يمكن وصفه ” عبادة لشخصه ” وأغرق البلد في نظام شمولي مطلق. تقول بعض الشهادات أن عدد الضحايا فاق 7 ملايين صيني لقوا حتفهم جراء تلك السياسة و ملايين آخرون عذبوا أو بعث بهم في ما سمي ” إعادة التربية ” في معسكرات العمل.

بعد اذلاله أمام العامة، فرضت على دينغ شياوبينغ الإقامة الجبرية في بيكين، وفي عام 1969 نفي الى مدينة (جيانغشي) وألزم على العمل في مصنع للجرارات الفلاحية.

 

قوة العظمى


تواصلت الثورة الثقافية تلك وانتقل الحرس الأحمر لمضايقة ابن دينغشياوبينغ (دينغبوفنغ) الذي كان حينها طالبا في جامعة بيكين. وفي يوم من الأيام وبعدما تم ضربه واهانته سمع بوفنغ أحد أفراد الحرس الأحمر عندما دخلوا غرفته.. ” النافذة هي بابك الوحيد “.. للنجاة بنفسه قفز بوفنغ من النافذة.

رفضت مستشفيات بيكين بالطبع اسعاف ذلك الجريح الثقيل عليهم والذي كان يعاني من كسر في عموده الفقري.. بقى بعدها بوفنغ مشلولا لكنه تمكن بالالتحاق بوالده في منفاه، فلم يبقى لدينغ سوى الاعتناء بولده..

بعدما فرض عليه بعث رسالة اعتذار عن أعماله ” المعادية للثورة ” أعيد اقحام دينغ شياوبينغ في صفوف الحزب الشيوعي في شهر فيفري 1973 دون أن توكل له أي مهام.

بعد موت ماو تسي تونغ، عاد دينغ بسرعة للواجهة في الساحة السياسية وخلال سنتين فقط استطاع القضاء على كل منافسيه ليسطر بمفرده على مقاليد الحكم.
في عهده وان أصبحت الصين تعيش أقل عنفا الا أن النظام بقى قاسيا لحد ما. لكن دينغ سيقوم بسلسلة من الإصلاحات الاقتصادية ذات لمسة رأسمالية ليحقق قفزة كبيرة فوق بلاغات الخطاب الشيوعي الأجوف لتنساق الصين وراء حتمية الانفتاح على العالم الخارجي.

يبقى في التاريخ دينغ شياوبينغ كصانع التحرير الاقتصادي في الصين وهو من فتح لها الطريق لتكون القوة العظمى في القرن الواحد والعشرين.
مع سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989 انتهت المواجهة بين الرأسمالية والشيوعية ووضعت الأنظمة البروليتارية الجماعية في خزانة التاريخ (حتى اثبات العكس) وكذلك مع تفكيك جزء من الترسانة النووية في المعسكرين الغربي والشرقي بدأت وساوس حرب عالمية جديدة تتراجع.

عندما انتهت الحرب الباردة أصبحت الإنسانية تحلم بمستقبل مشرق خالي من جميع الصراعات و يبدو أن النظام الرأسمالي قد ربح المعرك بانهيار الكتلة الشيوعية.. بعض المفكرين (مثل فرانسيس فكوياما) ذهبوا الى حد الأخذ بأطروحات الفيلسوف فريدريش هيغل و بدأوا يتنبؤون بما أخذ مصطلح ” نهاية التاريخ”.

رغم ذلك فالإنسانية لم توقف الآلة العظيمة للتطور ولم تسلم من نشوب الصراعات هنا وهناك.. القرن الواحد والعشرين لديه، هو كذلك، ما يخفيه..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق